مقالات تربوية

إعادة بناء الزمن المدرسي: كيف نصنع يومًا دراسيًا يعلّم ولا يرهق؟

تعليم جديد

مقدمة
أضحى الزمن المدرسي، في تونس كما في كثير من الأنظمة التربوية، موضوعًا حادًّا يتداخل فيه البيداغوجي بالاجتماعي والاقتصادي والسياسي. لا يكفي أن نقلّص أو نزيد في الساعات ريثما تُحلّ الأزمة؛ فالمطلوب إعادة تفكير جريئة في كيفيّة توزيع الزمن اليومي والأسبوعي والسنوي بما يخدم جودة التعلّم، ويحترم إيقاعات المتعلّم النفسية والاجتماعية، ويُعيد للمدرسة دورها الإنتاجي بدلاً من كونها مجرد فضاء لتكديس معارف متتالية ومتعبة. في تونس نرى الآن مبادرات تشريعية ونقاشات عمومية حول اعتماد “الحصة الواحدة” أو ضبط اليوم بحد أقصى لا يتجاوز خمس ساعات لبعض المستويات؛ هذه التوجهات تستدعي قراءة نقدية مبنية على أدلة وتجارب دولية ناجحة وإمكانات محليّة قابلة للتطبيق.

المشهد التونسي: ملامح المشكلة وإشارات التغيير

تُظهِر بيانات تنظيم الزمن المدرسي في تونس توزيعًا لا يزال متباينًا بين الجهات والمستويات؛ المنصات الرسمية حاليا تتيح جداول أوقات متنوعة ويُجرى سنويًا ضبط للتقويم المدرسي، إلا أن الشكاوى من إرهاق المتعلّم وازدحام المناهج والاختلال في توازن الحياة المدرسية والعائلية تتكرر في منابر الإعلام والمنتديات التربوية. كما برزت في العامين الأخيرين مبادرات برلمانية ومقترحات لسنّ قانون يهدف إلى حوكمة الزمن المدرسي واعتماد نمط “الحصة الواحدة” وقيود زمنية أسبوعية (مثلاً حدود 30 ساعة أسبوعيًا ولأقصى 5 ساعات يوميًا في الابتدائي) بغرض تخفيف الضغط اليومي وتحسين جودة الحياة المدرسية. هذه المقترحات ليست نهائية لكنّها مفيدة لفتح حوار شمولي حول الحاجة إلى إعادة هندسة الزمن المدرسي لا مجرد تغييرات شكليّة.

أمثلة واقعية من الميدان تشمل مدارس تطبّق نظام فترات متقطعة (صباحية ومسائية) في مناطق تعاني من اكتظاظ أو صعوبات نقل؛ وفي المقابل ثمة مؤسسات تُنشر جداولها على منصات رقمية مركزية لتوحيد المعطيات وتسهيل التخطيط للأسر والإدارة. لكن الرقمنة وحدها لا تحلّ إشكاليات المحتوى والوتيرة والبيداغوجيا التي تصاحب طول اليوم الدراسي.

قد يعجبك أيضا:  من المدرسة التقليدية إلى منظومة التعلم مدى الحياة: نحو رؤية تونسية مستدامة للتعليم في القرن 21
قاعة درس في مدرسة ابتدائية تونسية أثناء حصة تعلم نشطة، يظهر فيها المتعلمون يعملون في مجموعات صغيرة وسط بيئة صفية حديثة.
قاعة درس في مدرسة ابتدائية تونسية أثناء حصة تعلم نشطة، يظهر فيها المتعلمون يعملون في مجموعات صغيرة وسط بيئة صفية حديثة.

ما الذي نعرفه دوليًا؟ دروس من الأبحاث وتجارب ناجحة

  1. الزمن ليس هو نفسه الجودة. دراسات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) تُظهر أن كمية الساعات المدرسية السنوية تختلف كثيرًا بين الدول، وأنّ الزيادة المفرطة في الساعات لا تضمن نتائج أفضل بالضرورة. بل توجد دلائل بأنّ نظم تعطي متعلِّمين زمنًا معتدلًا (مثلاً حوالي 24–27 ساعة أسبوعيًا في الحصص المنظمة) تُسجّل نتائج أفضل في بعض اختبارات الكفاءة، في حين أنّ نظمًا أخرى ذات ساعات أقل أو أكثر جدًا لا تضمن تفوقًا أو تحسّنًا تلقائيًا. العبرة إذن في كيفية استخدام الزمن وليس رقمه فقط.
  2. فنلندا: توازن الزمن والتركيز على الجودة. تُعد تجربة فنلندا المثال الأكثر استشهاداً؛ فالنظام الفنلندي لا يطيل اليوم الدراسي بالقدر الذي يفترضه البعض، بل يوزّع الزمن بطريقة تراعي فترات الراحة، وتكثيف الوقت التعليمي الفعّال، والحرص على جودة المعلم والمرونة المحلية لمنظومة المناهج. تقارير حول النظام الفنلندي تشير إلى أن سرّ التفوق لا يكمن في ساعات أكثر، بل في بنية مهنية قوية للمعلم، تركيز على الكفاءات الأساسية، وتوزيع زمني يحترم الطفل.
  3. تجارب أخرى: تنظيم الأسبوع وتعدد النماذج. دول أوروبية (مثل فرنسا) جربت وتجدّدت سياسات “إيقاعات مدرسية” بين أسبوع من 4 أو 4.5 أو 5 أيام، مع نقاشات حول أثرها على الأسرة والأنشطة اللامنهجية. الخلاصة من هذه التجارب أن القرارات بحاجة إلى مراعاة سياق كل بلد: بنية سوق الشغل، توقيت العمل للأهل، البنية التحتية للمدارس، ووجود أنشطة بعد الإطار المدرسي.
جدول أوقات مدرسي منظم بنمط اليوم الدراسي المختصر، يبرز توازن الحصص وفترات الاستراحة ضمن نموذج جديد للزمن المدرسي.
جدول أوقات مدرسي منظم بنمط اليوم الدراسي المختصر، يبرز توازن الحصص وفترات الاستراحة ضمن نموذج جديد للزمن المدرسي.

مبادئ توجيهية لإعادة بناء اليوم المدرسي في تونس

لتكون أيّ إعادة بناء فعّالة يجب أن تستند إلى مجموعة مبادئ واضحة:

  1. التركيز على زمن تَعَلُّم فعّال (active learning time) لا على زمن التواجد فقط.
  2. احترام إيقاعات المتعلّم: فترات انتباه قصيرة، حاجة إلى استراحة، وتوزيع أنشطة متنوعة (حركية، فكرية، إبداعية).
  3. مرونة محلية مقننة: لا مركزية جزئية تسمح للمندوبيات والمدارس بتكييف الجداول مع خصوصية الجهات (ريف/حضر/نواحي).
  4. تكامل مع خدمات اجتماعية: نقل، تغذية مدرسية، وفضاءات أنشطة بعد المدرسة تديرها البلديات أو الجمعيات.
  5. بناء مهنة المعلم: تقليص ساعات الحصص لا يعني استرخاءًا بل إعادة توزيع للجهد إلى تحضير بيداغوجي، تقييم تكويني، ومهام دعم متعلّمين.
  6. دليل زمني مبني على الأدلة: أن تُبنى التوصيات على بيانات عن ساعات الحصص الفعلية، مؤشرات التعب، ونتائج التعلم المحلية.
قد يعجبك أيضا:  كيف نعيد تصميم الكتاب المدرسي ليتلاءم مع المتعلم التونسي الجديد؟
مربي تونسي يقود نشاطًا تفاعليًا داخل الفصل الدراسي، مع انتباه واضح من المتعلمين في إطار يوم دراسي أقل إرهاقًا وأكثر تركيزًا.
مربي تونسي يقود نشاطًا تفاعليًا داخل الفصل الدراسي، مع انتباه واضح من المتعلمين في إطار يوم دراسي أقل إرهاقًا وأكثر تركيزًا.

نموذج مقترح ليوم دراسي تونسي منظم يعلّم ولا يرهق (قابل للتجريب)

الهدف العام: يوم دراسي لا يتجاوز 5 إلى 6 ساعات حضور فعّال للمتعلمين في الابتدائي، و5.5–6.5 ساعات في المراحل الأعلى مع ضبط تركيبة الحصص ومداخل التعلم.

التركيبة (اقتراح تجريبي للابتدائي)

  • وصول وترحيب/تدوير جمَعي ونشاط قصير (15–20 دقيقة) — تهدف إلى الانتقال من البيت إلى وضعية التعلّم.
  • حصتان من 40–45 دقيقة (تعليم مركزي فوق الفاعلية) — مع استراتيجيات تفاعلية.
  • استراحة قصيرة / نشاط حركي (20 دقيقة).
  • حصتان من 40–45 دقيقة (مواد أساسية أو تكاملية).
  • وجبة خفيفة/غداء قصير مع وقت حرّ منظم (30–40 دقيقة).
  • حصة واحدة مركزة على مشروع أو نشاط إبداعي أو دعم مخصّص (45–50 دقيقة).

هذا يعطي إجماليًا حوالي 4.5–5 ساعات من التعلّم الفعّال، مع فواصل مناسبة تُقلّل الإرهاق وتحافظ على قدرة التركيز. يمكن أن تُستغل الفترة المسائية لبرامج مكمّلة مدارة من طرف البلديات أو الجمعيات لتمكين المتعلمين من أنشطة رياضية أو ثقافية أو دعم تكميلي لمن يحتاج. (تجارب مدارس دولية واعدة تؤكد فاعلية تقسيم الزمن بهذا الشكل). ERIC

للمراحل الإعدادية والثانوية

  • ضبط عدد الحصص اليومية بحيث لا تتجاوز 6–7 حصص مركزة يوميًا، مع تقليل تكديس المواد المعرفية في نفس اليوم (توزيع مهني/عام/لغات).
  • اعتماد “كتل زمنية” (block scheduling) في بعض المواد لتكثيف العمل البيداغوجي العملي/المشاريعي وتخفيف التنقلات.
  • تخصيص وقت أسبوعي للصحة النفسية والتوجيه المهني والأنشطة التطبيقية.
ساحة مدرسة تونسية خلال فترة الاستراحة، حيث يتحرك المتعلمون بحرية في فضاء آمن يدعم التوازن النفسي ضمن اليوم الدراسي.
ساحة مدرسة تونسية خلال فترة الاستراحة، حيث يتحرك المتعلمون بحرية في فضاء آمن يدعم التوازن النفسي ضمن اليوم الدراسي.

مقاربات تطبيقية قابلة للتنفيذ في تونس

  1. تجريب محلي ممنهج: اختيار عدد محدود من المؤسسات في جهات مختلفة (حضرية/ريفية/مهمّشة) لتطبيق نموذج يومي بديل لمدة سنتين، مع مراقبة مؤشرات الحضور، التعب، تحصيل المتعلّم، ورضاء الأسر والمربين. النتائج تُعمّم أو تُعدّل قبل توسيع التجربة. (منطق “التجريب قبل التعميم” يوفر بيانات قابلة للقياس).
  2. ربط الزمن المدرسي بالخدمات: قبل تقليص الحضور اليومي يجب توفير خيارات نقل وتغذية وأنشطة مابعد المدرسة، وإلا ستتحمّل الأسر عبئا جديدا. التركيز على شراكات مع البلديات والجمعيات والقطاع الخاص الاجتماعي.
  3. تعريف معايير زمنية وطنية مرنة: قانون/تنظيم يحدد سقف ساعات وتعريفات للحصص وفترات الراحة، مع هامش مرونة لمندوبيات التربية والمدارس. هذا يساعد على توحيد الحدّ الأدنى للجودة دون فرض نموذج مركزي جامد.
  4. تكوين المعلم وإعادة هيكلة مهامه: جزء من الساعات “المقتطعة” من الحصة يجب تحويلها إلى أوقات دعم للتخطيط التربوي، التكوين المتواصل، والتدخّل الفردي مع متعلّم يحتاج. هذا يستلزم مراجعة جدول العمل المهني للأستاذ (ساعات في المدرسة، ساعات خارجية).
  5. ميكانيزمات تقييم وتأشير: قياس أثر التغيير عبر مؤشرات: نسبة التعلّم في المواد الأساسية، مستويات التعب/الرضا، معدلات الهدر المدرسي، قدرات التوجيه المدرسي، وأثر الفترات المابعد المدرسية.
قد يعجبك أيضا:  تدريس الفنون في المرحلة الثانوية خطوة صائبة في طريق الخطأ _الايجابيات و النقائص_

مخاطرات يجب الانتباه لها وكيفية التصدّي لها

  • تحمّل الأسر لنتائج التغيير: أي تبديل في توقيت اليوم قد يؤثر على عمل الأهل أو سلوك الأسرة. الحل: التنسيق مع أصحاب العمل، توفير خدمات نهارية ميسرة، وتدابير انتقالية.
  • الفوارق الجهوية: الحدّ من توسيع الفوارق عبر إعطاء أولوية للجهات المهمّشة بتوفير النقل والتجهيزات.
  • خطر التحوّل إلى “يوم متفرّغ” بدون هدف بيداغوجي: الخطر أن يتم تقليص الساعات شكليًا فقط؛ لذلك يجب أن يأتي التغيير مقرونًا بإصلاح المحتوى وأساليب التدريس. OECD يؤكد أن زمن التعلّم الفعّال أهم من زمن الحضور المطلق.

خارطة طريق للسياسات: خطوات عملية على المدى القصير والمتوسط

  1. سنّ إطار قانوني/تنظيمي مرن يحدد مبادئ حوكمة الزمن المدرسي مع إمكانية التجريب المحلي. (خطوة تشريعية مصغّرة تتبناها وزارة التربية مع إشراك الشركاء الاجتماعيين).
  2. تنفيذ تجارب ميدانية في ثلاث محافظات نموذجية (حضر، شبه حضر، ريف) مع شراكة البلديات وجمعيات المجتمع المدني.
  3. تأهيل بنية الخدمات (نقل وتغذية وفضاءات بعد المدرسية) بالتزامن مع التجارب.
  4. مخطط تكويني للمنظومة التعليمية: منحنا التكوين للمديرين والمعلمين وإعادة تنظيم مهامهم.
  5. منهجية تقييم مستقلة (مركز بحث و/أو جامعات وطنية) لقياس النتائج ونشرها بموضوعية.
  6. مؤتمر وطني بعد سنتين لعرض النتائج والإقرار بخارطة التعميم أو التعديل.
مجموعة من المتعلمين ينجزون مشروعًا جماعيًا ضمن حصة مخصصة للتعلم بالمشروع، كجزء من إعادة تنظيم الزمن المدرسي.
مجموعة من المتعلمين ينجزون مشروعًا جماعيًا ضمن حصة مخصصة للتعلم بالمشروع، كجزء من إعادة تنظيم الزمن المدرسي.

خاتمة: يوم دراسي إنساني ومنتج

إصلاح الزمن المدرسي ليس رفاهية نظرية؛ إنه شرط أساسي لجعل المدرسة تونسيةً أكثر عدالةً وفائدةً. الانتقال من منطق “الوجود الطويل” إلى منطق “التعلّم الفعّال” يحتاج شجاعة سياساتية، شراكات محلية ودولية، وتجريبًا مدروسًا يُبنى على بيانات. تونس تملك الآن مناورات سياسية واجتماعية لطرح إصلاحات في هذا المسار، ومهمتنا كخبراء ومربين أن نجعل هذا النقاش مبنيًا على أدلة وتجارب قابلة للتطبيق محليًا — لا منقولة فقط بلا سياق. إن كان الهدف هو متعلّمون أكثر معرفةً، أقل إجهادًا، وأكثر قدرة على الإبداع والمشاركة المدنية، فإن إعادة بناء الزمن المدرسي شرط لا بدّ منه، ولكنّها لن تنجح بدون إصلاح متوازٍ للمحتوى، لمهنة المعلّم، ولشبكات الدعم الاجتماعي حول المدرسة.

مصادر ومراجع مختارة للقراءة والمتابعة

  1. مقالات وتقارير تونسية حول مقترح قانون حوكمة الزمن المدرسي ونظام الحصة الواحدة. Radio Express FM+1
  2. منصة جداول الأوقات المدرسية (وزارة التربية/منصات مهنية تونسية). Emploi CNTE+1
  3. OECD — Education at a Glance ومواد بحثية عن “كم من الوقت يقضيه المتعلّمون في الحصص” وتأثيره على النتائج. OECD+1
  4. تقارير ودراسات عن نظام التعليم الفنلندي وأدلة تحليلية من جامعة هلسنكي/تقارير دولية حول أسباب نجاح نموذج فنلندا. ERIC+1
  5. مقالات مقارنة حول “إيقاعات مدرسية” في فرنسا وأوروبا (نقاش 4 أيام/4.5 أيام وأثره). Le Monde.fr

ilahi imed

عماد إيلاهي، كاتب ومسرحي تونسي، جمع بين شغف الكلمة وديناميكية التقنية. أسس مدونة imdil.info لتكون نافذة على أحدث المستجدات في عالم التكنولوجيا، حيث يمزج بين التحليل الدقيق والطرح المبسّط الذي يصل للقارئ العادي والمتخصص على حدّ سواء. مدرب معتمد في مجالات التربية والتقنيات الحديثة، يوظف خبرته لتقديم دورات وورش عمل تمكّن الأفراد من فهم التكنولوجيا واستثمارها بذكاء في حياتهم العملية والتعليمية. في كتاباته ومحاضراته، يربط بين الإنسان والأداة، بين الإبداع والمعرفة، ليجعل من التقنية وسيلة للارتقاء لا مجرد استهلاك.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى