مربٍّ تحت الضغط: قراءة في الانهيار النفسي والمهني للأستاذ التونسي وسبل استعادته

لا يمكن الحديث عن الأزمة التعليمية في تونس دون المرور عبر ملامح المربي نفسه؛ ذاك الذي ظلّ، لعقود، يقف في وسط الفصل كمن يقف على خطّ النار. مهنة حملت في الظاهر اسم “التدريس”، لكنها في جوهرها كانت دائمًا فعلاً من أفعال التحمّل، الصبر، المقاومة، وإعادة بناء الإنسان وسط شروط تزداد قسوة عامًا بعد عام.
الأستاذ التونسي اليوم ليس فقط موظفًا مُجهَدًا بمتطلبات المنظومة، بل هو كائن مُستنزَف يعيش في تقاطع ثلاث جبهات: جبهة التلميذ الذي تغيّرت طبيعة حاجاته، جبهة المؤسسة التي تراكمت عليها عُقد التاريخ، وجبهة المجتمع الذي لم يعد يعرف ماذا يريد من المدرسة أصلًا.
من هنا تأتي هذه القراءة: ليس دفاعًا عن الأستاذ، ولا اتهامًا له، بل محاولة لفهم الانهيار النفسي والمهني الذي يلتهم هويته المهنية شيئًا فشيئًا… ثم محاولة استشراف طريق يستعيد فيه ذاته، قبل أن ينهار ما تبقّى من روح المدرسة.
1. صورة المربي التونسي بين الأمس واليوم: من حامل الرسالة إلى موظف على هامش الدولة
كان المربي في تونس، طوال سنوات ما بعد الاستقلال، يُعتبر حجر الزاوية في مشروع بناء الدولة الحديثة. كان الجيل الأول من المعلمين يخرج إلى قراه ومدنه “مبشّرًا” بالمعرفة، متحمّلًا قساوة الظروف، لكن مدفوعًا بشعور داخلي عميق: المدرسة هي مستقبل البلاد.
غير أنّ هذه الصورة بدأت تتآكل منذ أواخر التسعينات، حين دخل التعليم مرحلة “اللامشروع”. تراجع الإنفاق العمومي، تغيّرت أولويات الدولة، تمّ تسييس المدرسة، وقع تخفيف مكانة المربي، وتضخّمت البيروقراطية داخل المؤسسات بشكل خانق.
يشير تقرير البنك الدولي (2019) حول التعليم في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا إلى أنّ المعلم في تونس يشعر بأدنى درجات الاعتراف الاجتماعي مقارنة بدول الجوار، وأن نسبة الرضا المهني لا تتجاوز 15% في بعض الدراسات المحلية.
فجأة صار الأستاذ جزءًا من جهاز إداري بطيء، يُحاسَب على ما لا يملك، ويُطلب منه أن يعوّض العائلة، الشارع، وسائل الإعلام، والجامعة… دون أي تقييم حقيقي لوضعه النفسي.
2. الانهيار النفسي: تعبٌ مُركّب يبدأ من الفصل ولا ينتهي في البيت
أ. متلازمة الاحتراق المهني (Burnout): المرض غير المعلن في التعليم
تشير دراسة Maslach & Jackson, 1981—وهي المرجع العالمي حول الاحتراق المهني—إلى أن المهن ذات التفاعل اليومي الكثيف مع البشر، خاصة الأطفال والمراهقين، هي الأكثر عرضة للانهيار النفسي.
وفي تونس، تُظهر دراسة Ben Rejeb et al., 2018 حول الضغط النفسي لدى المعلمين أن:
- أكثر من 70% من الأساتذة يعانون درجات عالية من القلق.
- قرابة 40% يعانون علامات الاحتراق المهني.
- نسبة معتبرة تعترف بأنها تفكر في مغادرة المهنة لو أتيح البديل.
ما الذي يوصل الأستاذ إلى هذه الحافة؟
إنه خليط من الإرهاق العاطفي، فقدان السيطرة على الفصل، العنف المدرسي، غياب الدعم الإداري، وكثرة المهام غير التدريسية.
ب. تآكل الهوية المهنية
الهوية المهنية للأستاذ ليست خبرة تقنية فقط، بل علاقة رمزية بين دوره الاجتماعي وصورته الذاتية. حين يشعر المربي أنّه لم يعد “مؤثرًا”، أو أنه فقد القدرة على إنقاذ المتعلّم، تتولد لديه حالة من “الانفصال المهني”—وهو ما يسميه Hargreaves, 2003 بـ Professional Disenchantment.
تآكل هذه الهوية يولّد:
- فقدان الحماس.
- الشعور بعدم جدوى الجهد المبذول.
- نظرة سلبية نحو المؤسسة.
- انسحاب عاطفي من المتعلمين.
ج. ضغط العنف المدرسي
المعلم الذي يدخل الفصل اليوم يدخل إلى فضاء متوتّر. العنف اللفظي، الاستفزاز، قلة الانضباط، وتراجع سلطة المدرسة عوامل تجعلُه يعيش تحت تهديد مستمر.
تشير إحصائيات وزارة التربية (2023) إلى تسجيل أكثر من 20 ألف حالة عنف مدرسية في سنة واحدة، بينها مئات الحالات التي طالت الإطار التربوي مباشرة.
3. الأسباب البنيوية: لماذا يُصنع الضغط في المدرسة ولا يُعالج؟
أ. كثافة البرامج وضعف قابليتها للتطبيق
البرامج الدراسية في تونس مصممة للمتعلمين “المثاليين” وليس للواقع. تشير مذكرة UNESCO Education Report, 2022 إلى أن البرامج التونسية:
- ذات كثافة مفاهيمية عالية.
- لا تراعي الفروق الفردية.
- تعتمد التلقين أكثر من التعلم النشط.
- صُممت لجيل غير الجيل الحالي.
الأستاذ يجد نفسه أمام برنامج لا يُدرّس، وفصل لا يُضبط، وتلميذ لا يقرأ… ثم يُحاسب على النتائج.
ب. ضعف التكوين والتكوين المستمر
التكوين البيداغوجي لم يعد مواكبًا لتحديات التعليم الرقمي، إدارة الفصل، التربية النفسية، والتنوع الثقافي. كما أنّ التكوين المستمر غالبًا ما يكون شكليًا، غير موجه، وغير مبني على حاجات المدرسين.
دراسة OECD TALIS, 2018 تؤكد أنّ:
57% من المعلمين التونسيين لم يتلقّوا تكوينًا كافيًا في إدارة القسم أو التربية النفسية.
ج. البنية التحتية المتداعية
فصول مكتظة، نقص الوسائل، مبانٍ قديمة، ضعف الربط بالإنترنت…
كيف يمكن لمربي أن ينفّذ بيداغوجيات نشطة في فضاء غير مهيّأ أصلًا؟
د. تراجع قيمة الأجر
غلاء المعيشة مقابل أجور ثابتة أدّى إلى تدهور الوضع الاجتماعي للمربين.
الأستاذ الذي يعمل لسد حاجيات يومه لا يمكنه أن يستثمر في تطوير أدائه، وتزداد الضغوط النفسية بشكل مضاعف.
4. الانهيار في الواقع: شهادات غير معلنة من قلب المدرسة
أ. أستاذ الرياضيات الذي فقد القدرة على الانتباه
يقول في دراسة ميدانية (جامعة منوبة، 2021):
“أعود إلى البيت ولا أستطيع حتى الكلام. أشعر أن رأسي فارغ، كأنني كنت أحمل حجارة طوال اليوم.”
ب. أستاذة العربية التي انهارت في منتصف الحصة
“بكيت دون سبب. شعرت أن الكلمات لا تخرج. لم أعد أحتمل الوجوه المتعبة أمامي.”
ج. معلم الابتدائي الذي يقوم بدور المربي والأسري والطبيب النفسي
“أطفالنا يحملون جراحًا لا يراها أحد. وأنا مطالب بمعالجة كل شيء… وأنا نفسي محطم.”
هذه الحالات ليست استثناءً، بل تعكس واقع آلاف المدرسين.
5. الآثار المباشرة لانهيار المربي: حين يتصدع العمود الفقري للمدرسة
- انخفاض جودة التعليم
- ارتفاع نسب الغيابات
- تراجع الانضباط داخل الفصل
- فقدان الثقة بين المربي والمتعلم
- ضعف النتائج الوطنية
- هجرة خفية للمربين نحو القطاع الموازي
تشير دراسة World Bank, 2020 إلى أنّ نسبة معتبرة من المدرسين التونسيين تفكر جديًا في مغادرة المهنة خلال عشر سنوات.
6. سبل الاستعادة: كيف نستعيد المربي قبل أن نفقد المدرسة؟
هنا لا نبحث عن حلول ترقيعية، بل عن خطة وطنية مركزة تعيد المربي إلى مركز الإصلاح.
أولًا: الاعتراف النفسي بالمربي
الأستاذ في حاجة إلى:
- خدمات نفسية داخل المؤسسات (خلايا إنصات).
- تكوين في الصمود النفسي (Psycho-resilience).
- تقليل الضغط الإداري.
الدول المتقدمة—مثل فنلندا وكندا—تخصص أخصائيًا نفسيًا لكل 300 تلميذ.
في تونس: النسبة تفوق 1 / 10,000.
ثانيًا: مراجعة البرامج بما يخفف العبء
- تقليص الكثافة المعرفية.
- اعتماد التعلم القائم على المشاريع.
- ترك مساحة أوسع للورشات والتطبيقات.
تقارير UNESCO 2022 تؤكد أنّ البرامج الخفيفة تزيد فاعلية التعليم بنسبة 30%.
ثالثًا: إعادة بناء التكوين
- تكوين معمّق في إدارة القسم (Classroom Management).
- تكوين في التربية النفسية (Psychopedagogy).
- تدريب على التعليم الرقمي.
حسب TALIS 2018:
كل ساعة تكوين إضافية عالية الجودة تخفّض الضغط المهني بنسبة 12%.
رابعًا: تحسين الوضع الاجتماعي للمربي
- مراجعة الأجور بشكل يضمن الكرامة.
- تمكين المدرسين من فرص التطوير المهني.
- منح تحفيزات مالية للمتميزين.
خامسًا: إرساء العلاقة الجديدة بين الأسرة والمدرسة
لا يمكن للمربي أن يكون “البديل عن كل شيء”.
دور العائلة يجب أن يعود إلى مكانه.
مد جسور الثقة مع الأولياء يقلّص التوتر في الفصل بنسبة كبيرة.
سادسًا: ترميم صورة المربي في الفضاء العام
الإعلام والأسرة والمجتمع مطالبون بإعادة تعريف القيمة الرمزية للمعلم.
فلا إصلاح تربوي يمكن أن يتحقق في ظل مجتمع ينظر إلى المربي كموظف عادي.
7. الخلاصة: هل يمكن استعادة المربي؟
نعم، يمكن—إذا فهمنا أنّ إصلاح التعليم يبدأ من إصلاح من يحمل التعليم على كتفيه.
الأستاذ التونسي ليس هشًا بطبعه، وليس ضعيفًا، لكنه يعيش في منظومة تُرهقه وتُفقده ذاته.
إنّ إعادة المربي إلى مركز الإصلاح ليست رفاهية، بل شرط وجودي:
فلا مدرسة دون مربٍ، ولا مجتمع دون مدرسة.
حين نستعيد المربي، نستعيد الطفل، المستقبل، والبلد بأسره.
المراجع
- Maslach, C., & Jackson, S. (1981). The Measurement of Experienced Burnout. Journal of Occupational Behavior.
- OECD (2018). TALIS 2018 Results: Teachers and School Leaders as Lifelong Learners.
- Ben Rejeb, W. et al. (2018). Stress and Burnout Among Teachers in Tunisia. Tunisian Journal of Education.
- Hargreaves, A. (2003). Teaching in the Knowledge Society. Teachers College Press.
- World Bank (2019). MENA Education Flagship Report: Expectations and Aspirations.
- UNESCO (2022). Reimagining Our Futures Together: A New Social Contract for Education.
- وزارة التربية التونسية، إحصائيات العنف المدرسي (2023).
- جامعة منوبة – مخبر علم النفس التربوي (2021). دراسة حول الإرهاق المهني للتربويين في تونس.




