تقرير بحثي حول العنف المدرسي في تونس: من المظاهر اليومية إلى الأزمة البنيوية
تشريح لثقافة الاستعراض وحلول لمأسسة التربية الرقمية في تونس

1. تقديم عام
يشهد الوسط المدرسي في تونس خلال السنوات الأخيرة تحوّلات عميقة تُترجمها موجة غير مسبوقة من السلوكيات العنيفة داخل المؤسسات التربوية. ولم تعد هذه الممارسات مجرّد حوادث فردية أو عابرة، بل أصبحت مؤشرات دالّة على أزمة بنيوية تطال المناخ المدرسي، والسلطة التربوية، وأنماط التفاعل داخل الفضاءات التعليمية.
وقد أسهمت البيئة الرقمية، بما تتيحه من سهولة في التصوير والنشر الفوري، في إنتاج طبقات جديدة من “العنف الاستعراضي”؛ حيث يتحول الاعتداء إلى محتوى مرئي يُستهلك ويُعاد نشره بحثًا عن الشهرة أو الظهور ضمن ثقافة “الترند”.
يهدف هذا التقرير إلى تحليل الظاهرة في أبعادها الإحصائية والسوسيولوجية، وتقديم خطة تدخل عملية تراعي خصوصية السياق التونسي واحتياجات المؤسسات التربوية.
2. المؤشرات الإحصائية لتفاقم الظاهرة (تدقيق 2022–2024)
2.1. حجم الظاهرة (بيانات رسمية ونقابية)
تكشف عملية تجميع الإحصائيات الصادرة عن وزارة التربية والنقابات القطاعية عن أرقام صادمة:
- عدد الحوادث السنوية: يُسجَّل ما بين 18,000 و21,000 حالة عنف داخل المؤسسات التربوية سنويًا، تشمل الاعتداءات الجسدية واللفظية والتخريب.
- السنة الدراسية 2023/2024:
تشير تقارير المرصد الوطني للتربية إلى أنّ العنف المادي يحتل المرتبة الأولى بحوالي 52% من إجمالي الحوادث، يليه العنف اللفظي وسوء السلوك المتكرر. - التوزيع الجغرافي:
تشهد ولايات تونس الكبرى، والساحل (سوسة والمنستير)، وصفاقس أعلى نسب من الاعتداءات نظرًا للكثافة التلمذية وضغط البنية التحتية.
2.2. توزيع العنف حسب الفاعلين
وفق بيانات إدارة الدراسات والتخطيط لوزارة التربية، يتوزع العنف كما يلي:
- تلميذ ضد تلميذ: حوالي 63% من القضايا المسجلة.
- تلميذ ضد إطار تربوي: حوالي 22%، وهي نسبة في تصاعد يقلق المربين والإدارات.
- ولي ضد إطار تربوي: حوالي 10%، وتأتي غالبًا نتيجة اقتحام المؤسسات المدرسية.
- ملاحظة: هذه النسب تُظهر تفكّكًا في علاقة الثقة والتقدير بين مختلف مكوّنات الوسط المدرسي.
3. العوامل البنيوية المحفّزة للأزمة
تتداخل عدة عوامل بنيوية تُفسّر توسّع دائرة العنف، ويمكن تلخيص أهمها كالآتي:
3.1. الاكتظاظ وتدهور المناخ التربوي
تجاوزت كثافة الفصول في عدد كبير من المندوبيات 38 تلميذًا في المتوسط، وبلغت 43 تلميذًا في بعض الشعب العلمية، ما يحدّ من قدرة المدرس على إدارة جماعة القسم، ويخلق بيئة مشحونة محفّزة للسلوكيات العدوانية.
3.2. هشاشة السلطة التربوية
تراجعت المكانة الرمزية للمربي داخل المخيال الاجتماعي خلال العقد الأخير، وأصبح الردع التربوي ضعيف الفاعلية.
وتشير استبيانات القطاع النقابي إلى أنّ 40% من التلاميذ المخالفين لا يرون في العقوبات الإدارية (مثل الإيقاف أو الطرد المؤقت) رادعًا حقيقيًا.
3.3. النقص الفادح في الإحاطة النفسية – أرقام دقيقة
تمثل الإحاطة النفسية أحد أهم مفاتيح الوقاية من العنف، ومع ذلك فإنّ:
- العدد الإجمالي للأخصائيين النفسيين في وزارة التربية لا يتجاوز 360 أخصائيًا.
- المعدل الوطني: أخصائي نفس واحد لكل 6000 تلميذ.
- في المناطق الداخلية: يصل الأمر إلى أخصائي واحد لكل 10 مؤسسات.
هذه المعطيات تجعل التشخيص المبكّر شبه مستحيل، وتُضعف قدرة المؤسسات على احتواء الانحرافات السلوكية قبل انفجارها.
3.4. تأثير المخدرات والعنف الرقمي
- تفيد وزارة الداخلية (2023) بتفكيك مئات الشبكات التي تنشط في محيط المدارس، ما يعكس حالة هشاشة اجتماعية خطرة.
- وتشير بيانات المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية (FTDES) إلى أن 30% من المراهقين تعرّضوا لشكل من أشكال العنف الرقمي أو التنمر الإلكتروني، مما ينعكس على السلوك الواقعي ويضاعف احتمالات الصراع داخل المؤسسات.
4. تحليل ظاهرة “العنف المصوَّر” (Cyber-Violence)
أدخل انتشار الهواتف الذكية بُعدًا جديدًا للعنف المدرسي:
4.1. ثقافة التوثيق والتشهير
تحوّل الاعتداء الجسدي أو اللفظي إلى مادة بصرية تُنشر على منصات مثل TikTok وInstagram.
ويُستخدم الفيديو كوسيلة:
- للسخرية والإهانة،
- ولتحقيق الظهور ضمن “ثقافة الاستعراض”.
4.2. اقتصاد الترند
أظهرت تحليلات المحتوى لسنة 2023 أن:
- فيديوهات “إهانة المربي” تحصد تفاعلاً مضاعفًا بثلاث مرات مقارنة بفيديوهات العنف بين التلاميذ.
هذا “التحفيز الرقمي” يخلق دائرة مفرغة: كلما زاد التفاعل، زاد العنف المصوّر.
5. التداعيات على المنظومة التربوية
5.1. الهدر المدرسي المتفاقم
يرتبط العنف المدرسي مباشرة بالانقطاع المبكر عن التعليم. فقد بلغ عدد المنقطعين حوالي 60 ألف تلميذ سنويًا، ويُعدّ العنف عاملًا محوريًا في هذه الظاهرة.
5.2. تأزّم الأمن النفسي للمربي
تؤكد الجامعة العامة للتعليم الثانوي أن:
- 70% من المربين تعرّضوا لعنف لفظي مرة واحدة على الأقل في مسارهم المهني،
- وأنّ الاعتداءات الجسدية أصبحت أكثر تكرارًا خلال السنوات الأخيرة.
هذا المناخ يشكل تهديدًا مباشرًا لجودة العملية التعليمية.
6. خطة التدخل والمقترحات العملية
6.1. إصلاح منظومة الإحاطة النفسية
- الانتداب الاستعجالي: وضع برنامج يمتدّ لخمس سنوات لرفع العدد إلى معدل أخصائي نفسي واحد لكل 1500 تلميذ.
- تفعيل خلايا الإنصات:
- تحويلها من هياكل شكلية إلى وحدات عملياتية،
- إشراك المختصين من المجتمع المدني،
- توفير برامج تدخل فردي وجماعي موجّه للتلاميذ المعرضين للخطر.
6.2. السياسة الرقمية (الهواتف الذكية)
- تطبيق صارم للمنشور الوزاري المنظّم لاستعمال الهواتف داخل المؤسسات.
- اعتماد النموذج الفرنسي (French Phone Ban 2018):
حظر الهواتف داخل الفصول، مع السماح باستخدامها في سياق بيداغوجي موجه بإذن المدرس. - إدراج مادة “التربية على الوسائط الرقمية” ضمن المناهج، لتوعية المتعلمين بمخاطر النشر غير الأخلاقي والعواقب القانونية.
6.3. حماية الإطار التربوي
- الدفع نحو قانون خاص يحمي الأسرة التربوية،
- تغليظ العقوبات على الاعتداءات داخل المؤسسات،
- فرض آلية رسمية لإيداع الشكايات وضمان المتابعة القانونية دون تعطيل إداري.
7. خاتمة
العنف المدرسي اليوم ليس مجرد سلسلة من السلوكيات المنفلتة، بل هو تجسيد لأزمة اجتماعية وبنيوية تعكس ضغوطًا اقتصادية وثقافية ونفسية تعيشها الأسرة التونسية.
إنّ مواجهة هذه الظاهرة لا يمكن أن تقوم على المقاربة الأمنية وحدها، بل تتطلب:
- إصلاحًا لآليات الإحاطة،
- تكوينًا للمربين حول إدارة النزاعات،
- إعادة الاعتبار للمدرسة كفضاء إنساني حاضن للتعلم والنمو.
لا بدّ من رؤية إصلاحية شجاعة تُعيد بناء الثقة بين جميع الأطراف وتضمن حق كل تلميذ في مدرسة آمنة ومحفّزة.
المراجع المعتمدة
الجامعة العامة للتعليم الثانوي – تقارير سلامة المربين 2023–2024.
وزارة التربية التونسية – الإحصائيات السنوية 2022–2024.
المرصد الوطني للتربية – مؤشرات العنف المدرسي.
المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية FTDES – تقارير العنف الرقمي 2023.
وزارة الداخلية – بلاغات حول مكافحة المخدرات قرب المدارس (2023).




