إصلاح البرامج والمناهج الدرسية في تونس: من منطق التلقين إلى أفق المعنى وبناء الإنسان
لم تعد ازمة المدرسة التونسية اليوم خافية على احد. فهي ازمة معنى قبل ان تكون ازمة وسائل، وازمة اتجاه قبل ان تكون ازمة موارد. في الفصول الدراسية يتعب المتعلم دون ان يفهم لماذا يتعلم، ويجتهد دون ان يرى في ما يدرسه صلة بحياته او مستقبله. وفي الجهة المقابلة، يعيش المعلم حالة اغتراب صامت، يؤدي وظيفة مثقلة بالبرامج والاختبارات، بينما يتآكل دوره المعرفي والرسالي يوما بعد يوم. هكذا تحولت المدرسة من فضاء للارتقاء الانساني الى جهاز مثقل بالواجبات، فاقد للروح، عاجز عن بث الرغبة في المعرفة.
من هنا يفرض السؤال نفسه بإلحاح: هل تكمن ازمة التعليم في تونس في ضعف الميزانيات وقلة التجهيزات فحسب، ام ان جوهرها اعمق من ذلك، متجذر في فلسفة المناهج والبرامج ذاتها؟ هل المشكلة في ما نملك من موارد، ام في ما نحمله من تصورات حول المعرفة، والمتعلم، ووظيفة المدرسة في المجتمع؟ ان التركيز المفرط على الحلول التقنية السريعة كثيرا ما يخفي عجزا عن مساءلة الاسس الفكرية التي بنيت عليها البرامج الدراسية منذ عقود.
ان هذا المقال ينطلق من قناعة اساسية مفادها ان اصلاح البرامج والمناهج ليس مسالة تقنية معزولة، ولا عملية ترقيع ظرفية، بل هو فعل فكري وثقافي بامتياز. فهو يعكس اختيارات المجتمع في ما يريد ان يكون عليه انسانه، ونوع العلاقة التي يرغب في بنائها بين الفرد والمعرفة، وبين المدرسة والحياة. وعليه، فان كل حديث جدي عن اصلاح التعليم في تونس لا يمكنه ان يتجاوز سؤال المعنى، ولا ان يؤجل النقاش حول فلسفة المناهج التي ما تزال، في كثير من جوانبها، اسيرة منطق التلقين والحشو، ومنفصلة عن تحولات الانسان والعالم.
المنهاج بوصفه اختيارا فكريا لا مجرد وثيقة تقنية
غالبا ما يتم التعامل مع المنهاج في الخطاب التربوي الرسمي بوصفه مجموعة من البرامج والكتب المدرسية والجداول الزمنية، اي كوثيقة تقنية قابلة للتعديل كلما اقتضت الضرورة. غير ان هذا التصور الاختزالي يغفل البعد الجوهري للمنهاج، باعتباره رؤية تربوية متكاملة، تختزن في طياتها تصورا معينا للانسان، ولمعنى المعرفة، ولدور المدرسة داخل المجتمع. فالمنهاج ليس مجرد ما ندرسه، بل هو ما نريد ان نصنعه من خلال ما ندرسه.
ان اختزال اصلاح التعليم في تغيير بعض الدروس، او اعادة ترتيب المضامين، او تعويض كتاب مدرسي بآخر اكثر الوانا واخراجا، لا يعدو ان يكون شكلا من اشكال الهروب الى الامام. فمثل هذه الاجراءات، مهما بدت مهمة من الناحية الشكلية، لا تمس جوهر الاشكال ما دامت الاسئلة الكبرى ظلت معلقة. اذ لا معنى لتجديد المحتوى اذا بقيت الفلسفة التي توجه اختياره وتنظيمه وانتاجه على حالها، قائمة على منطق التراكم الكمي والتلقين العمودي.
فالمنهاج، في عمقه، يعكس اولا تصورا للانسان: هل نريده متلقيا سلبيا، منضبطا، مكرسا لاعادة انتاج ما يعطى له، ام نريده فاعلا، ناقدا، قادرا على بناء المعنى واتخاذ الموقف؟ كما يعكس ثانيا تصورا للمعرفة: هل هي معطى جاهز يلقن، ام بناء انساني نسبي يتشكل بالحوار والسؤال والتجربة؟ ثم انه يجسد ثالثا تصورا للمجتمع والدولة: هل المدرسة اداة لضبط اجتماعي وادماج قسري، ام فضاء لتحرير الوعي وبناء المواطنة الفاعلة؟
من هنا، لا يمكن الحديث عن اصلاح حقيقي للمناهج دون مساءلة هذه الاختيارات العميقة. فكل منهاج هو في النهاية موقف فكري، وكل برنامج دراسي هو ترجمة ضمنية لاجوبة سياسية وثقافية عن اسئلة قد لا يعلن عنها، لكنها تحكم المدرسة وتوجه مصيرها.
ازمة الحشو وفقدان المعنى في البرامج الحالية
تقوم البرامج الدراسية في صيغتها الراهنة على منطق التراكم الكمي، حيث يقاس التعلم بعدد الدروس المنجزة والصفحات المستهلكة، لا بعمق الفهم ولا بقدرة المتعلم على توظيف ما يتعلمه في سياقات مختلفة. هكذا تتحول المعرفة الى عبء ثقيل، يطالب المتعلم بحمله دون ان يمنح له الوقت او الادوات اللازمة لهضمه واستيعابه. فالمهم هو الانتهاء من البرنامج، لا بناء المعنى، واستكمال المقرر، لا تشكل الفهم.
ويزداد هذا الوضع تعقيدا بسبب تفكك المعارف وغياب الروابط بين المواد الدراسية. فكل مادة تدرس وكأنها جزيرة معزولة، لها لغتها الخاصة ومنطقها المنغلق، دون اي جسر يربطها ببقية المعارف او بالحياة اليومية للمتعلم. فينشا المتعلم داخل منظومة معرفية مجزاة، عاجزة عن تشكيل رؤية كلية للعالم، وغير قادرة على تنمية التفكير المركب الذي يتطلب الربط والتحليل والتركيب.
ولا تظل هذه الازمة حبيسة الكتب والمقررات، بل تنعكس بشكل مباشر على المناخ المدرسي برمته. اذ تتراجع دافعية المتعلم حين يعجز عن ادراك جدوى ما يتعلمه، فيفقد الرغبة في المتابعة والمثابرة. كما يسهم هذا الفراغ المعنوي في تفشي اشكال متعددة من العنف المدرسي، باعتباره تعبيرا عن ضيق وجودي داخل فضاء لا يمنح الاعتراف ولا المعنى. ثم لا يلبث هذا المسار ان يقود الى التسرب والفشل الدراسي، حين تتحول المدرسة في وعي فئات واسعة من المتعلمين الى مكان للضغط والاقصاء بدل ان تكون فضاء للتمكين والتحرر.
ان ازمة الحشو ليست مجرد خلل بيداغوجي، بل هي عرض لخلل اعمق في تصورنا للتعلم ووظيفته. فهي تكشف مدرسة تكدس المعارف لكنها تعجز عن صناعة المعنى، وتنتج كمّا من المعلومات دون ان تنجح في بناء انسان متوازن، وواع بذاته وبالعالم من حوله.
من التعليم المتمركز حول المحتوى الى التعلم المتمركز حول المتعلم
ظل النموذج التعليمي السائد لعقود طويلة قائما على مركزية المحتوى، حيث تختزل العملية التربوية في نقل كم من المعارف الجاهزة من المعلم الى المتعلم، ضمن منطق خطي احادي الاتجاه. في هذا النموذج، يصبح الدرس غاية في حد ذاته، ويقاس النجاح بمدى استظهار المتعلم لما قيل له، لا بقدرته على الفهم او التساؤل او اعادة البناء. وهو نموذج يقوم على التلقين، ويكرس سلبية المتعلم، ويحول الفصل الدراسي الى فضاء للاستقبال الصامت بدل ان يكون مجالا للتفاعل والمعنى.
غير ان التحولات العميقة التي يشهدها العالم، سواء على مستوى المعرفة او على مستوى حاجات الانسان، جعلت من هذا النموذج عاجزا عن الاستجابة لتحديات العصر. فالمعرفة لم تعد ثابتة ولا مكتملة، بل صارت متغيرة، نسبية، ومفتوحة على المراجعة الدائمة. ومن هنا برزت الحاجة الى تحول جذري في فلسفة التعلم، انتقالا من تعليم يتمحور حول المحتوى الى تعلم يتمحور حول المتعلم باعتباره فاعلا اساسيا في بناء معرفته.
في هذا التصور الجديد، يحتل التعلم النشط موقع القلب من العملية التربوية، حيث يتعلم المتعلم عبر الفعل، والتجريب، والمناقشة، وحل المشكلات، لا عبر الاستماع السلبي. كما ينظر الى المعرفة بوصفها بناء تدريجيا يتشكل من خلال التفاعل مع الاسئلة والوضعيات، لا مخزونا جاهزا ينقل كما هو. ويقتضي ذلك احتراما حقيقيا لايقاع المتعلم الفردي، ولمسارات تعلمه المختلفة، بعيدا عن منطق التوحيد القسري والايقاع الواحد المفروض على الجميع.
وتلعب الوضعيات المشكلة والمشاريع دورا محوريا في تجديد التعلم داخل هذا الاطار. فهي تضع المتعلم امام اسئلة حقيقية، مستمدة من واقعه او قريبة من تجربته، وتدعوه الى البحث، والتحليل، واتخاذ القرار، والعمل الجماعي. بذلك يتحول التعلم من ممارسة شكلية الى تجربة ذات معنى، ومن استهلاك للمعرفة الى انتاج لها، ومن واجب مدرسي ثقيل الى فعل انساني حي، يستعيد فيه المتعلم موقعه الطبيعي بوصفه ذاتا مفكرة لا مجرد وعاء للمحتويات.
من التعليم المتمركز حول المحتوى الى التعلم المتمركز حول المتعلم
ظل النموذج التعليمي السائد لعقود طويلة قائما على مركزية المحتوى، حيث تختزل العملية التربوية في نقل كم من المعارف الجاهزة من المعلم الى المتعلم، ضمن منطق خطي احادي الاتجاه. في هذا النموذج، يصبح الدرس غاية في حد ذاته، ويقاس النجاح بمدى استظهار المتعلم لما قيل له، لا بقدرته على الفهم او التساؤل او اعادة البناء. وهو نموذج يقوم على التلقين، ويكرس سلبية المتعلم، ويحول الفصل الدراسي الى فضاء للاستقبال الصامت بدل ان يكون مجالا للتفاعل والمعنى.
غير ان التحولات العميقة التي يشهدها العالم، سواء على مستوى المعرفة او على مستوى حاجات الانسان، جعلت من هذا النموذج عاجزا عن الاستجابة لتحديات العصر. فالمعرفة لم تعد ثابتة ولا مكتملة، بل صارت متغيرة، نسبية، ومفتوحة على المراجعة الدائمة. ومن هنا برزت الحاجة الى تحول جذري في فلسفة التعلم، انتقالا من تعليم يتمحور حول المحتوى الى تعلم يتمحور حول المتعلم باعتباره فاعلا اساسيا في بناء معرفته.
في هذا التصور الجديد، يحتل التعلم النشط موقع القلب من العملية التربوية، حيث يتعلم المتعلم عبر الفعل، والتجريب، والمناقشة، وحل المشكلات، لا عبر الاستماع السلبي. كما ينظر الى المعرفة بوصفها بناء تدريجيا يتشكل من خلال التفاعل مع الاسئلة والوضعيات، لا مخزونا جاهزا ينقل كما هو. ويقتضي ذلك احتراما حقيقيا لايقاع المتعلم الفردي، ولمسارات تعلمه المختلفة، بعيدا عن منطق التوحيد القسري والايقاع الواحد المفروض على الجميع.
وتلعب الوضعيات المشكلة والمشاريع دورا محوريا في تجديد التعلم داخل هذا الاطار. فهي تضع المتعلم امام اسئلة حقيقية، مستمدة من واقعه او قريبة من تجربته، وتدعوه الى البحث، والتحليل، واتخاذ القرار، والعمل الجماعي. بذلك يتحول التعلم من ممارسة شكلية الى تجربة ذات معنى، ومن استهلاك للمعرفة الى انتاج لها، ومن واجب مدرسي ثقيل الى فعل انساني حي، يستعيد فيه المتعلم موقعه الطبيعي بوصفه ذاتا مفكرة لا مجرد وعاء للمحتويات.
المناهج وبناء الكفايات الحياتية والمواطنة
لم يعد من المقبول اليوم ان تختزل وظيفة المدرسة في نقل المعارف الاكاديمية فحسب، بمعزل عن ما يتطلبه العيش في مجتمع متحول ومعقد. فالكفايات الحياتية تمثل مجموعة من القدرات الذهنية والاجتماعية والقيمية التي تمكن الفرد من فهم ذاته، والتفاعل الايجابي مع محيطه، واتخاذ قرارات واعية في مواجهة تحديات الحياة اليومية. وهي كفايات لا تقل اهمية عن المعارف المدرسية، بل تشكل شرطا اساسيا لتحويل تلك المعارف الى طاقة فعلية قادرة على الاندماج في الواقع. وفي السياق التونسي، حيث تتقاطع ازمات الهوية، والبطالة، والعنف الرمزي والمادي، تكتسي هذه الكفايات بعدا مصيريا لا يمكن تجاهله.
ان المدرسة، في جوهرها، ليست فضاء لتكديس المعلومات، بل مجالا لتشكيل المواطن. ومن هذا المنطلق، ينبغي ان تصبح المناهج الدراسية حاضنة لتعلم التفكير النقدي، بما يتيحه من قدرة على التمييز، والتحليل، ومساءلة الخطاب السائد، بدل الخضوع له. كما يتعين ان تكون المدرسة فضاء لتعلم الحوار وقبول الاختلاف، حيث يدرك المتعلم ان التنوع ليس تهديدا، بل ثراء، وان الاختلاف لا يفسد العيش المشترك بل يؤسسه على اسس عقلانية واخلاقية.
ولا يكتمل هذا المسار دون ترسيخ قيم المسؤولية والالتزام، عبر جعل المتعلم شريكا في التعلم، واعيا بحقوقه وواجباته، مدركا لاثار افعاله داخل الجماعة المدرسية وخارجها. فالمواطنة لا تلقن في درس نظري، بل تبنى من خلال ممارسات يومية، ومواقف تعليمية تتيح للمتعلم ان يجرب المشاركة، واتخاذ القرار، وتحمل النتائج.
ان بناء الكفايات الحياتية يقتضي، في العمق، تجاوز الفصل المصطنع بين المعرفة والحياة. فالمعرفة التي لا تمس الواقع تبقى معرفة معطلة، والحياة التي لا تسندها معرفة واعية تظل عرضة للارتجال والتلاعب. ومن هنا، يصبح اصلاح المناهج دعوة لاعادة وصل المدرسة بالحياة، حتى تستعيد وظيفتها الانسانية، لا بوصفها مؤسسة تعليم فقط، بل كفضاء لبناء الانسان المواطن.
الكتاب المدرسي: من مركز المنهاج الى مورد من ضمن منظومة
احتل الكتاب المدرسي، عبر سنوات طويلة، موقع القلب في المنظومة التعليمية، حتى تحول في الوعي التربوي الى مرجع شبه مقدس، يحدد ما يدرس، وكيف يدرس، ومتى ينتهي التعلم. وقد اسهم هذا التمركز المفرط حول الكتاب في تجميد الفعل التربوي، وفي اختزال المنهاج في محتوى مطبوع، يفترض فيه الاكتمال والنهائية، بينما تغيب الاسئلة والسياقات والتحولات.
ان قداسة الكتاب المدرسي لا تضر بالتعلم فحسب، بل تقيد دور المعلم والمتعلم على حد سواء. فالمعلم يجد نفسه مطالبا باتباع تسلسل جامد، لا يتيح له الاجتهاد ولا التكييف مع خصوصيات المتعلمين وواقعهم. اما المتعلم، فيتحول الى مستهلك للنصوص والتمارين، دون ان يمنح فرصة حقيقية للبحث او التساؤل او المقارنة. وهكذا ينتج نمط من التوحيد القسري للتعلم، يفرض ايقاعا واحدا، ومضمونا واحدا، ومسارا واحدا على جميع المتعلمين، متجاهلا الفروق الفردية والتنوع الثقافي والمعرفي.
ويزداد هذا الخطر حين يصبح النجاح الدراسي مرتهنا بما ورد في الكتاب حرفيا، لا بما اكتسبه المتعلم من فهم وقدرة على التحليل. عندها يفقد التعلم مرونته، ويتحول الى عملية تدريب على الامتثال، لا على التفكير. وهو ما يفرغ المدرسة من بعدها الابداعي، ويجعلها عاجزة عن مواكبة التحولات المتسارعة في المعرفة والتكنولوجيا.
من هنا تبرز الحاجة الملحة الى اعادة تموقع الكتاب المدرسي داخل المنهاج، لا باعتباره مركزه، بل موردا من ضمن منظومة تعلم اوسع. منظومة تقوم على تنويع الموارد التعليمية، بين نصوص، ووثائق، ووسائط رقمية، وتجارب ميدانية، ومعارف محلية مستمدة من البيئة والثقافة التونسية. كما تقتضي هذه الرؤية ادماج البعد الرقمي بوعي تربوي، لا كبديل سطحي، بل كافق لتوسيع امكانات التعلم، والاطلاع، والتفاعل.
وفي هذا الاطار، يصبح تشجيع البحث والاكتشاف غاية اساسية من غايات المنهاج، حيث يتعلم المتعلم كيف يبحث، وكيف يتحقق من المعلومة، وكيف يبني معرفته بنفسه، بدل الاكتفاء بما يقدم له جاهزا. بذلك يستعيد الكتاب المدرسي وظيفته الحقيقية: منطلقا للتعلم لا سقفا له، وجزءا من منظومة حية، لا سلطة معرفية مغلقة.
التقييم والامتحان: الامتحان بوصفه عنق الزجاجة
يشكل الامتحان، في صيغته السائدة، عنق الزجاجة الذي تختنق عنده كل محاولات اصلاح التعلم. فمهما تعددت الخطابات حول بيداغوجيا الكفايات، او التعلم النشط، او بناء المعنى، يبقى الامتحان النهائي هو الحكم الاخير الذي يعيد المنظومة التربوية كلها الى منطق الاسترجاع والحفظ. بذلك لا يشوه الامتحان فلسفة التعلم فحسب، بل يعيد توجيهها من حيث لا يشعر الجميع، فيصبح ما لا يقاس في الامتحان غير ذي قيمة، وما يقاس فيه هو وحده الجدير بالاهتمام.
لقد ادى هذا الوضع الى اختزال التعلم في التدريب على اجتياز الامتحان، لا في بناء المعرفة او تنمية التفكير. فالمتعلم يتعلم ما يعتقد انه سيطرح في الاختبار، والمعلم يدرس تحت ضغط ما سيقاس في النهاية. وهكذا تتراجع الاسئلة العميقة، وتهمش المهارات المركبة، ويطغى منطق الاستظهار السريع على حساب الفهم والتحليل والتركيب. فالامتحانات القائمة على الاسترجاع تقيس الذاكرة اكثر مما تقيس العقل، وتكافئ الامتثال اكثر مما تكافئ الابداع.
ان نقد هذا النمط من التقييم لا يعني الدعوة الى الغائه، بل الى اعادة بنائه ضمن تصور تربوي اشمل. تصور يجعل من التقييم اداة للتعلم لا اداة للعقاب او الاقصاء. وفي هذا الاطار، يكتسي التقويم التكويني اهمية مركزية، باعتباره عملية مرافقة للتعلم، تمكن المتعلم من فهم اخطائه، وتساعده على تحسين ادائه بشكل تدريجي، بدل انتظار حكم نهائي قاطع.
كما تتيح المهام المركبة امكانات اوسع لتقييم الفهم الحقيقي، اذ تضع المتعلم امام وضعيات تتطلب توظيف معارف متعددة، واتخاذ قرارات، وحل مشكلات ذات معنى. اما ملفات الانجاز والمشاريع، فهي تمنح التقييم بعدا زمنيا وانسانيا، حيث يقاس تطور المتعلم، وجهده، وقدرته على التخطيط والعمل الجماعي، لا مجرد ادائه في لحظة امتحانية عابرة.
بهذا المعنى، يصبح اصلاح التقييم مدخلا حاسما لاصلاح المنهاج كله. فحين يتغير ما نقيسه، يتغير ما نعلمه، ويتغير بالضرورة ما يتعلمه المتعلم.
المعلم: من منفذ المنهاج الى شريك في صناعته
لا يمكن الحديث عن اصلاح جدي للمناهج دون اعادة الاعتبار الى المعلم بوصفه فاعلا معرفيا لا مجرد منفذ لتعليمات جاهزة. فقد همشت السياسات التربوية المتعاقبة خبرة المعلم الميدانية، وحصرته في دور اجرائي ضيق، يطبق المنهاج كما ورد، دون ان يكون له حق حقيقي في مساءلته او تطويره. وهو ما ادى الى تآكل مكانته المعرفية، والى شعور متنام بالاغتراب داخل مهنة يفترض انها رسالة فكرية وانسانية.
ان استعادة المكانة المعرفية للمعلم تقتضي الاعتراف بان المنهاج لا يحيى الا في الممارسة الصفية، وان افضل من يقيم صلاحيته وحدوده هو من يشتغل به يوميا داخل الفصل الدراسي. فالمعلم ليس ناقلا محايدا للمحتوى، بل وسيط ثقافي، يترجم المنهاج الى مواقف تعلم، ويتفاعل مع المتعلمين في سياقات حية، لا يمكن اختزالها في وثائق رسمية.
ومن هنا تبرز اهمية اشراك المعلمين اشراكا فعليا في تصميم المناهج، لا عبر استشارات شكلية، بل من خلال لجان علمية وبيداغوجية تمثل مختلف المراحل والاختصاصات. كما ينبغي تمكينهم من المساهمة في تقييم المناهج وتطويرها، اعتمادا على التغذية الراجعة المستمدة من الواقع المدرسي، لا من تصورات نظرية معزولة.
غير ان هذا التحول لا يمكن ان يتحقق بمعزل عن اصلاح عميق لمنظومة التكوين الاساسي والمستمر. فمعلم مطالب بلعب دور الشريك في صناعة المنهاج، يحتاج الى تكوين رصين في علوم التربية، وفلسفة التعليم، وبيداغوجيا التقويم، الى جانب اتقان المادة العلمية. لذلك، فان الربط بين اصلاح المنهاج واصلاح التكوين ليس خيارا ثانويا، بل شرطا ضروريا لنجاح اي مشروع اصلاحي.
ان تمكين المعلم من هذا الدور الجديد لا يعزز جودة التعليم فحسب، بل يعيد الاعتبار للمدرسة بوصفها فضاء تفكير جماعي، لا جهاز تنفيذ بيروقراطي، ويمنح الاصلاح بعده الانساني المستدام.
المناهج والهوية: بين الخصوصية والانفتاح
يشكل سؤال الهوية أحد اكبر التحديات التي تواجه البرامج الدراسية في تونس. فالمناهج ليست مجرد نقل معارف، بل صناعة لرؤية الانسان والمجتمع، وتعبير عن قيم ومرجعيات ثقافية. ومن هنا يبرز التوتر بين خيارين متقابلين: الانغلاق الهوياتي من جهة، والذوبان الكوني من جهة اخرى.
فالانغلاق الهوياتي يؤدي الى اختزال المعرفة في الذات المحلية فقط، ويجعل المتعلم يعيش في قوقعة ثقافية ضيقة، معزولا عن الحوار مع الاخرين وفهم التحولات العالمية. بينما الذوبان الكوني، او الانصهار في المرجعيات العالمية بلا نقد ولا تمحيص، يقود الى فقدان الجذور، وتشويه الانتماء، وتحويل المدرسة الى ناقل للثقافة الاجنبية على حساب التراث والتجربة المحلية.
لذلك، يصبح الاصلاح المنهجي دعوة دقيقة الى بناء منهاج تونسي متوازن، يرتكز على الجذور المحلية، تاريخا ولغة وثقافة، دون اغفال البعد العالمي الذي يفتح المتعلم على الافاق الانسانية الكبرى. منهاج يعكس التوازن بين الانتماء والفضول، بين الخصوصية والانفتاح، بين الهوية والكونية، ويؤسس لتعلم قادر على صناعة انسان متجذر ومشارك في عالم متغير.
أفق الإصلاح: نحو مشروع وطني للتعلم مدى الحياة
لا يكتمل حديثنا عن اصلاح المناهج دون وضعه في سياق مشروع وطني شامل للتعلم مدى الحياة. فالمدرسة ليست مجرد مؤسسة لنقل المعرفة، بل فضاء لصناعة المستقبل، مختبر للابداع والابتكار، ومسرح لتجربة قيم المواطنة والمسؤولية. اذا بقيت مجرد متحف للماضي، فستظل البرامج والكتب والاختبارات تعيد انتاج الاشياء كما هي، دون ان تصنع القدرة على التكيف، او التفكير النقدي، او المبادرة.
إن ربط اصلاح المناهج بهذا المشروع المجتمعي يعني الاعتراف بان التعلم لا ينتهي بالمدرسة، وان البرامج الدراسية ليست منفصلة عن الحاجات الواقعية للمجتمع وسوق الشغل، وان المعرفة والتجربة تتكاملان في بناء الانسان. كما يستلزم هذا الاصلاح استمرارية سياسية ومؤسساتية، بعيدا عن التغيير العشوائي مع كل حكومة، لضمان تحقق التحولات البيداغوجية والاجتماعية على المدى الطويل.
بهذا المعنى، يصبح اصلاح المناهج اكثر من مجرد تعديل للمحتوى: انه استثمار في الانسان والمجتمع، وفتح افاق للتعلم مدى الحياة، حيث تصبح المدرسة بوابة لا بداية، وتجربة التعليم رحلة مستمرة، لا محطة عابرة.
تتقاطع في هذا الطرح كل عناصر الاصلاح المقترح: من مراجعة فلسفة المناهج، واعادة الاعتبار للمعلم، الى تحويل المدرسة الى فضاء لبناء الكفايات الحياتية والمواطنة، وربط التعلم بالواقع وبالحياة اليومية للمتعلم. فالاصلاح ليس مجرد تعديل تقني للبرامج، ولا تجديد شكلي للكتب والامتحانات، بل هو حركة شاملة تهدف الى استعادة المعنى، وتعزيز القدرة على التفكير، وتمكين المتعلم من ادراك دوره في العالم وفهمه للعلاقات بين المعرفة والحياة.
في جوهره، يمثل اصلاح المناهج اصلاحا لعلاقة التونسي بالمعرفة وبذاته وبالعالم، وهو فعل ثقافي وفكري قبل ان يكون بيداغوجيا. انه استدعاء للوعي والحرية في التعلم، ومجهود لتأسيس مدرسة لا تنتج المعلومات فقط، بل تصنع الانسان القادر على النقد والمساءلة والمشاركة الفاعلة في مجتمعه.
ويبقى السؤال مفتوحا، يحفز التفكير والنقاش: أي انسان نريد ان تبنيه المدرسة التونسية؟. الاجابة على هذا السؤال ليست مجرد خطة تعليمية، بل مشروع حضاري، ورؤية اجتماعية وثقافية تحدد ملامح المستقبل