من الفصل التقليدي إلى بيئة التعلّم المفتوح: هل تونس مستعدة للقفزة الرقمية الحقيقية للقرن 21؟

لم يعد التعليم اليوم مجرّد سبورةٍ وطبشورة، ولا مجرد فصلٍ يضم أربع جدران تنتظم داخله الطاولات كجنودٍ في صفٍّ واحد. لقد تغيّر العالم، واتسعت فضاءات المعرفة لتغدو بلا حدود، وانفتح التعلم على بيئات متعددة: رقمية، سحابية، متحركة، متصلة، ومتقلبة بطبيعتها. وبينما تشهد دول عديدة انتقالاً جذريًا نحو منظومات تعلّم مفتوحة تحرّر المتعلم من ضيق المكان وزمن الحصة، تبدو تونس عالقة بين نموذجٍ تقليدي يشيخ كل يوم، ونموذجٍ جديد يطرق الباب بقوة، لكنه لا يجد البيئة المجهزة لاستقباله.
السؤال الجوهر هو: هل تونس مستعدة فعلاً للقفزة الرقمية؟
أم أننا نعيش مجرّد انتقال شكلي، تتغير فيه الأدوات دون أن تتغير الذهنيات، وتُحدّث فيه البرامج دون أن يُحدَّث الإنسان؟

1. الفصل التقليدي: ذاكرة طويلة وصمود مُرهِق
للفصل الدراسي التقليدي في تونس تاريخ طويل؛ فقد كان على مدى عقود رمزاً للانضباط والجدّية وبوابة للترقي الاجتماعي. وقد وصف عبد الوهاب بوحديبة في التعليم والمجتمع في تونس طبيعة هذا الفصل بأنه “فضاء مغلق لكنه كان –في زمنه– كافياً لإدارة المعرفة ونقلها”.
غير أنّ الزمن تغيّر، ولم يعد هذا الفضاء المغلق قادراً على احتواء حاجات المتعلم الجديد:
- متعلم يعيش في عالم سريع الإيقاع،
- يتعامل مع الهاتف أكثر من الكتاب،
- ومع الشاشة أكثر من السبورة،
- ومع المحتوى المتجدد أكثر من المعلومة الثابتة.
إنّ الفصل التقليدي، بجموده وبنيته الرأسية، لم يعد إلا صدفةً فارغة لأساليب تعليمية ولّى عصرها. وما لم تُكسر هذه الصدفة، سيظل كل إصلاح مجرّد تلوينٍ للجدار لا تغييرًا للجوهر.
2. ما معنى “بيئة التعلّم المفتوح”؟
التعلم المفتوح لا يعني إجراء درس بواسطة الحاسوب فقط، ولا تحويل الكتب الورقية إلى PDF، بل هو نموذج شامل تتداخل فيه:
- منصات تعلم تفاعلية
- معطيات رقمية آنية وتقييم ذكي
- فصول افتراضية
- تعلّم ذاتي موجه
- مختبرات رقمية
- ذكاء اصطناعي يساعد المتعلم على تحديد مسار المعرفة
التعلم المفتوح هو ثقافة قبل أن يكون أداة.
هو انتقال من منطق “المعلم مصدر المعرفة” إلى “المتعلم منتج المعرفة”، ومن منطق الزمن المقطّع إلى “التعلم المستمر”.
وقد أثبتت دولٌ مثل إستونيا وكوريا الجنوبية وكندا أن هذا الانتقال ليس رفاهية، بل ضرورة اقتصادية ومعرفية.
تؤكد OECD (2020) أن «التعلم المفتوح يعزز التماسك الاجتماعي ويزيد فرص النجاح الأكاديمي بنسبة تتجاوز 30% عند دمجه بذكاء ضمن المنظومة».
لكن السؤال في تونس يظل: هل نمتلك الشروط الدنيا لهذا التحوّل؟
3. البنية التحتية الرقمية… بين الطموح والواقع
أ. الإنترنت المدرسي: الفجوة الصامتة
رغم مشاريع الربط بالإنترنت التي انطلقت منذ أكثر من عشر سنوات، ما تزال العديد من المدارس—خصوصاً في الداخل والريف—تعاني من:
- سرعة ضعيفة
- انقطاعات متكررة
- غياب تجهيزات الصيانة
- غياب تقنيين مختصين
ويشير تقرير UNICEF Tunisia 2022 إلى أن «أكثر من ثلث المدارس الريفية تفتقر إلى ربط فعّال بالإنترنت يتيح التعلم عن بعد أو استخدام المنصات الرقمية السيادية».
هذه الفجوة ليست تقنية فقط، بل هي فجوة عدالة معرفية. فكيف نُحدث تعلّماً مفتوحاً في فضاء لا يملِك منفذاً مفتوحاً على العالم؟
ب. التجهيزات الرقمية: توزيع غير منصف
مشاريع توزيع الحواسيب اللوحية على المتعلمين بقيت محدودة وضعيفة الأثر. وحتى حين وُزّعت تجهيزات معينة، غالباً ما غابت:
- الصيانة
- التكوين
- الموارد البيداغوجية المرافقة
- بنية الخوادم المحلية
وتؤكد اليونسكو (2019) أنّ «نجاح الإدماج الرقمي يحتاج إلى منظومة داعمة، لا مجرد معدات».

ج. المنصات الوطنية: محاولة تحتاج نفساً أطول
منصة المدرسة التونسية تمثل اليوم خطوة مهمة ورائدة، وقد جمعت قدراً ضخماً من الموارد الرقمية، لكنها ما تزال في حاجة إلى:
- تعميم حقيقي
- إدماج منهجي في الدروس
- تطوير الذكاء الاصطناعي فيه
- ربطها بملفات المتعلمين
- تدريب الأساتذة على استثمارها
المنصة هي الهيكل، لكنها تحتاج إلى روح تُحييها، وهذه الروح هي التكوين والتخطيط طويل المدى.
4. ثقافة رقمية لم تنضج بعد
أ. المعلم بين ضغط التقليد وطموح الحداثة
المعلم التونسي يقف في منتصف الجسر:
قدراته الذاتية عالية، ورغبته في التغيير موجودة، لكنه مُحاصر بعدة عوامل:
- ضغط إداري
- برمجيات لم يتلق تكويناً كافياً عليها
- أقسام مكتظة
- حصة زمنية مشدودة
- غياب الحوافز المادية
- ضعف مرافقة التكوين المستمر
ووفق تقرير OECD 2021 فإن «تونس من الدول التي تحتاج بشكل عاجل إلى تمهين الأساتذة رقمياً، مع توفير صيغ تكوين مستمر غير تقليدية».
ب. المتعلم: بين الجاذبية الرقمية… والفقر البيداغوجي
الطفل والمراهق التونسي يعيش في بيئة رقمية بامتياز:
ألعاب، تطبيقات، فيديوهات قصيرة، محتوى اجتماعي…
لكن المدرسة لا تستثمر هذه البيئة؛ فتبدو الدروس بالنسبة للمتعلم عالماً بطيئاً ومملاً مقارنة بعالمه الحقيقي.
إنّ الفجوة بين الطريقة التي يتعلم بها المتعلم في حياته اليومية والطريقة التي يتلقى بها المعرفة في المدرسة تزداد عمقاً.
وبيئة التعلم المفتوحة قادرة على سد هذا الشرخ عبر:
- gamification
- مشاريع رقمية
- تعلم ذاتي
- مخابر افتراضية
- إنتاجات سمعية بصرية
- برمجة
- روبوتيك
لكن لتحقيق ذلك، تحتاج تونس إلى شجاعة فكرية تقطع مع النمطية القديمة.
ج. الذهنية الإدارية: بين الخوف من الجديد وغياب الرؤية
لا يمكن لأي تحول رقمي أن ينجح دون إدارة تربوية حديثة.
غير أن جزءاً من الإطارات ما يزال يرى في الرقمنة تهديداً للسلطة التقليدية أو عبئاً إضافياً.
وفق تقرير World Bank – Education Tunisia 2020، فإن «ضعف الإدارة الرقمية وغياب الحوكمة الواضحة يعرقل إدماج التكنولوجيا رغم توفر الإرادة السياسية».
التحول الرقمي ليس مشروع حاسوب… بل مشروع ثقافة.
5. هل تونس مستعدة للقفزة الرقمية؟ تحليل موضوعي
أ. ما هو موجود بالفعل؟
- منصات رقمية ناشئة
- تجارب تدريس عن بعد (خاصة بعد جائحة كورونا)
- كفاءات شبابية عالية
- خبراء تونسيون معتمدون دولياً
- رغبة واضحة في تحديث المدرسة
- تجربة رائدة في التكوين (MIE, Intel, Google Educator)
- مشاريع وطنية واعدة مثل المدرسة التونسية
هذه مؤشرات إيجابية لكنها غير كافية.
ب. ما الذي ينقص تونس لإتمام القفزة؟
- رؤية وطنية واضحة للتحول الرقمي تمتد 10 سنوات
- بنية تحتية متينة ذات صيانة مستمرة
- تمهين رقمي حقيقي للأساتذة
- تحيين للمناهج بما يتناسب مع التعلم المفتوح
- حوكمة رقمية شفافة
- مراقبة وتقييم دوري لمدى تقدم التحول
ج. المخاطر المحتملة إذا بقي الوضع على حاله
- اتساع الفجوة بين المدرسة وسوق الشغل
- ارتفاع نسبة الانقطاع المدرسي
- عزوف المتعلمين عن التعلم التقليدي
- تخلف تونس عن ركب الذكاء الاصطناعي
- فقدان القدرة التنافسية
- ضعف مخرجات التعليم العالي
التحول الرقمي ليس رفاهية… بل ضرورة بقاء.
6. نحو مدرسة تونسية رقمية… ولكن إنسانية
يجب ألا يتحول التحول الرقمي إلى عبادة التكنولوجيا.
الغاية ليست “مدرسة مليئة بالشاشات”، بل “مدرسة تُنمّي العقل والخيال والمهارات”.
الرقمنة ليست بديلاً عن الإنسان، بل جسراً لتفجير طاقاته.
ولتحقيق ذلك، يجب أن يكون المشروع الرقمي قائماً على مبادئ:
- عدالة الوصول (لا ريف دون رقمنة)
- تمكين المعلم (لا تقنية دون تكوين)
- حماية المتعلم (سلامة رقمية وأمن معرفي)
- إبداع المناهج (من الحفظ إلى البحث والحلول)
- مرونة الزمن والمكان (من غرفة الصف إلى بيئة مفتوحة)
الرقمنة الحقيقية هي التي تجعل المدرسة فضاءً ينبض بالتجربة، لا مجرد مكان لتلقي الدروس.

7. سيناريو المستقبل: القفزة الممكنة
إذا استثمرت تونس السنوات الخمس القادمة في بناء الأسس، يمكن أن تتحول إلى نموذج عربي–أفريقي يُحتذى به.
التونسيون يملكون:
- ذكاء فردياً
- كفاءات عالية
- تكوينًا جامعيًا محترماً
- قدرة على التأقلم
- شباباً منفتحاً على التكنولوجيا
- مجتمع مدني فاعل
- خبرة وطنية عميقة في التربية
ما ينقص هو فقط إرادة سياسية ثابتة و حوكمة جريئة و رؤية مكتملة.
إنّ القفزة الرقمية ليست حلماً مستحيلاً… بل مسافة قصيرة بين ما نملك وما نحتاج، بشرط أن نتوقف عن ترقيع الماضي ونبدأ في بناء المستقبل.
خاتمة: لقبض على الضوء، لا بد من ترك الظلال
إنّ الانتقال من الفصل التقليدي إلى بيئة التعلّم المفتوح ليس انتقالاً في الأدوات، بل في المفاهيم.
إنه خروجٌ من السكون إلى الحركة، ومن التعليم إلى التعلم، ومن المعرفة الجاهزة إلى المعرفة المنتَجة، ومن الجدار المغلق إلى الأفق الواسع.
تونس قادرة على هذه القفزة، ولكن بشرط أن:
- نمتلك ذاكرة إصلاحية
- نتحلى بالشجاعة في مواجهة التقليد
- نعيد الاعتبار للمعلم
- نمنح المتعلم فضاءً يليق بمستقبله
- نقود ثورة رقمية واعية، متزنة، إنسانية
الدول لا تتقدم بالإصلاحات المتقطعة، بل بالمسارات العميقة.
وإذا شئنا أن نخرج من أسر الماضي، فعلينا أن نبني مدرسة لا تُعيد تدوير الغبار، بل تصنع الضوء.
المراجع
- UNESCO. Education Policy Review: Tunisia. Paris, 2019.
- OECD. Education Policy Outlook: Tunisia. 2020–2021.
- UNICEF Tunisia. Digital Divide in Education Report, 2022.
- World Bank. Tunisia Education Sector Review, 2020.
- عبد الوهاب بوحديبة، التعليم والمجتمع في تونس، دار سراس للنشر، 1996.
- OECD. Digital Education Strategies for the 21st Century, 2018.




