إصلاح بلا ذاكرة: كيف تعيد المنظومة التربوية في تونس إنتاج أزماتها عبر الأجيال؟

تظهر الأزمة التربوية في تونس، منذ أكثر من نصف قرن، بوصفها ظاهرة متكرّرة تعيد إنتاج نفسها بوجوه متعدّدة، لكن بجوهر واحد: غياب الذاكرة المؤسسية. فكل مشروع إصلاح، مهما كان نبيلاً في نواياه أو طموحاً في رؤيته، ينطلق من نقطة الصفر، كأنّ ما سبق لم يكن؛ وكأنّ المجهودات المبعثرة، والتجارب الجزئية، والدروس التي دُفعت لأجلها أثمانٌ بشرية ومالية، لم تعد جزءاً من الوعي الوطني بالتعليم.
في بلدٍ خَبِرَ إصلاحاتٍ متتالية—إصلاح 1958، مراجعات الثمانينات، إصلاح 1991، مشروع التعليم الأساسي 2002، إصلاح الكفايات 2015، وصولاً إلى مناظرات الإصلاح اللاحقة—يبدو وكأنّ كل جيلٍ يُسلَّم إرثاً من التعثّر أكثر مما يُسلّم رؤية واضحة للمستقبل. وما لم تُبنَ الإصلاحات على ذاكرة نقدية متصلة، ستظلّ المنظومة التربوية تدور في حلقة مفرغة، تعود فيها إلى نقطة الانطلاق كلّما خطت خطوة إلى الأمام.

1. التعليم التونسي… من نجاحات التأسيس إلى إرهاق الاستمرارية
حين انطلقت تونس المستقلة في بناء دولتها الحديثة، كان التعليم حجر الزاوية. فقد وضع إصلاح 1958، بقيادة محمود المسعدي، أسس التعليم العمومي المجاني الإجباري، في خطوةٍ تُعدّ من أجرأ مشاريع التحرير الاجتماعي. ويُجمع باحثون كُثُر—منهم عبد الوهاب بوحديبة في كتابه التعليم والمجتمع في تونس—على أن هذه المرحلة كانت مشبعة بروح النهضة وبجرأة فكرية غير مسبوقة.
لكنّ هذه الروح لم تستمر بالزخم ذاته. فمع دخول الثمانينات، تحوّل التعليم شيئاً فشيئاً من مشروع وطني إلى منظومة متضخّمة، تُثقلها البيروقراطية وغياب التقييم وانفصال المدرسة عن المجتمع والاقتصاد. كان يمكن لهذه التحولات أن تشكّل قاعدة لتطوير عميق، لكنها تحولت—مع غياب الذاكرة الإصلاحية—إلى عبءٍ يُعاد استنساخه دون معالجة جذريّة.
2. لماذا تفشل الإصلاحات؟ غياب الذاكرة المؤسسية كأصل الداء
أ. إصلاحات تُبنى ثم تُهدم قبل أن تنضج
تعاني المنظومة التربوية من ما يسميه الباحث الفرنسي جاك شوفالييه “الإصلاحات الدورية قصيرة النفس”. ففي تونس، تُطلق مشاريع ضخمة تستنزف المال والجهد، لكن ما إن يتغيّر الوزير أو تتبدّل الظروف السياسية حتى تُراجع، أو تُلغى، أو تُستبدل بأخرى جديدة.
مثال ذلك: مشروع المدرسة الإعدادية النموذجية ثم التراجع عنه، مشروع المدرسة الأساسية ثم الخروج التدريجي منه، مشروع مقاربة الكفايات التي لم تُعمَّق ولم تُقيّم، فبقيت بين التطبيق النظري والواقع التقليدي.
غياب الاستمرارية يجعل المدرسة كائنًا مُتعبًا، تُجرّب عليه النظريات دون أن يُمنح فرصة للنمو.

ب. ضعف التوثيق وقنوات التعلّم من الأخطاء
لا توجد في تونس، حتى اليوم، قاعدة بيانات وطنية شاملة توثّق نتائج كل إصلاح، نقاط قوته، نقاط ضعفه، وما تحقق منه واقعياً.
تذكر اليونسكو في تقريرها حول التعليم بتونس (UNESCO, 2019) أنّ «ضعف التقييم الدوري وغياب الذاكرة المؤسسية أحد أبرز أسباب تباطؤ تطوير المنظومة».
فماذا يعني هذا؟
يعني أنّ كل مكتب دراسات، وكل لجنة حكومية، تبدأ من ورقة بيضاء تماماً كما بدأ من سبقها. وما يُرسَم دون ذاكرة، يُعاد رسمه دون وعي، ويُكرَّر الفشل ذاته دون أن نشعر.
ج. تغيّر الوزراء… وتغيّر البوصلة
منذ 2011، تغيّر على وزارة التربية أكثر من أحد عشر وزيراً، وبعضهم لم يمكث سوى أشهر قليلة.
وفق تقرير OECD – Education Review Tunisia (2021)، تُعدّ «اللااستقرار السياسي أحد أخطر عوائق الإصلاح التربوي، إذ يفقد النظام القدرة على التخطيط طويل المدى».
ومع كل تغيير وزاري، يتغيّر الخطاب، وتُلغى برامج، وتُجمّد أخرى، ويُعاد التفكير من جديد.
التعليم، بطبيعته، لا يعيش بالتغييرات السريعة؛ يحتاج زمناً طويلاً وترسيخاً هادئاً، بينما يُدار اليوم بمنطق “الترميم العاجل” لا بمنطق “الرؤية الممتدة”.
3. المدرسة التونسية: بين النموذج الذي نجح… والنموذج الذي استُنزف
أ. أزمة المناهج: الورقة المُقدّسة التي لا تُمسّ
المناهج التونسية بقيت لعقود تُعدّ مقدّسة، لا يُراجع منها إلا ما يفرضه الزمن من تعديلات شكلية.
تقرّر الهيئة الوطنية للتقييم والجودة في تقرير 2020 أنّ «البرامج تعاني من التضخم المعرفي ومن ضعف الصلة بسوق الشغل وبمهارات القرن 21».
لكن المفارقة أنّ كل محاولة لتغييرها تقابل بالريبة أو الرفض، إما من جانب النقابات، أو من جانب المربين، أو حتى من الرأي العام الذي يخشى المساس بالثوابت.
من دون ذاكرة إصلاحية، يصبح كل تعديل اعتداءً على الماضي، لا خطوة نحو المستقبل.
ب. أزمة تكوين المدرّسين
لم تتطوّر منظومة تكوين الأساتذة بما يكفي لمواجهة تحديات العصر. وقد أشارت اليونسكو (2019) إلى أنّ نسبة من المدرسين يفتقرون إلى التكوين الرقمي والبيداغوجي الحديث، فيما يعاني آخرون من ضغط أعمال مرهق ونقص في الموارد.
ولأنّ التكوين لا يخضع لتقييم دوري صارم، يظلّ ضعفه جزءاً من أعراض غياب الذاكرة: نعيد تكرار الخطأ ذاته في كل دورة تكوين.

ج. البنية التحتية: بين الهشاشة والإرادة
رغم الميزانيات الموجهة للصيانة والبناء، ما تزال آلاف المدارس الريفية تفتقر إلى الأساسيات: الماء، التدفئة، الأمن، المخابر، المكتبات.
تقرير UNICEF Tunisia 2022 يؤكد أنّ «التفاوت الجهوي يمثل واحداً من أكبر معوقات تكافؤ الفرص في التعليم».
الأزمة ليست جديدة… لكنها تُترك كل مرة لتتعفن، ثم يُعاد اكتشافها كما لو أنّها ظهرت البارحة.
4. إعادة إنتاج الأزمة عبر الأجيال: آليات الصمت المتكرر
كيف يمكن لنظام كامل أن يعيد إنتاج الأخطاء نفسها؟
الإجابة ليست تقنية فحسب، بل ثقافية أيضاً.
أ. ثقافة ردّ الفعل بدل ثقافة التخطيط
يتحرك التعليم في تونس غالباً استجابةً لأزمات وقتية: احتجاج، نتائج امتحانات ضعيفة، تقرير دولي مزعج…
وحين تكون القرارات آنية، يفقد الإصلاح عمقه الحكيم.
ب. غياب المساءلة
تشير دراسات OECD إلى أن غياب تقييم موضوعي لأداء الإدارات والمؤسسات التربوية يخلق «ثقافة من دون نتائج ومن دون مسؤوليات».
من لا يُحاسَب، سيعيد الخطأ نفسه. ومن لا يُكافَأ على الاجتهاد، لن يجد حافزاً للتغيير.
ج. النزاعات السياسية والنقابية
عوض أن تكون النقابات شريكاً في الإصلاح، أصبحت في كثير من الأحيان قوة تعطيل، فيما تحوّل بعض الوزراء إلى صناع قرارات فردية.
غياب الحوار البنّاء يجعل كل طرف يُمسك بجزء من الحبل، لكن الحبل يتقطع قبل أن يُسحب في الاتجاه السليم.
د. ضعف البحث العلمي في التربية
البحوث الأكاديمية التونسية حول التعليم قليلة مقارنة بما تحتاجه البلاد.
غياب الدراسات يعني غياب الذاكرة.
فما لا يُوثّق… لا يعيش. وما لا يعيش… يُعاد اختراعه بسذاجة كل مرة.
5. ماذا يعني “إصلاح بذاكرة”؟ نحو رؤية تضع الوطن أمام مرآته
لأجل إيقاف دوامة إعادة إنتاج الأزمة، لا بد من بناء إصلاح يقوم على ذاكرة حيّة: ذاكرة تُنقذنا من الدوران داخل الدائرة نفسها.
أ. تأسيس “مركز وطني للذاكرة التربوية”
مهمة هذا المركز أن يجمع كل الوثائق، المشاريع، التقييمات، الدراسات، التقارير، والبيانات الإحصائية منذ 1958 إلى اليوم.
مراكز مشابهة موجودة في فنلندا وكندا وتُعدّ أساس نجاح إصلاحاتهما المتتالية (OECD, 2018).
وجود هذا المركز سيمنع تكرار نفس الأخطاء ويمنح صناع القرار بوصلة حقيقية.

ب. إصلاح تشاركي طويل المدى (10–15 سنة)
الإصلاح الناجح في العالم—من كوريا الجنوبية إلى إستونيا—كان دائماً نتاج رؤية تتجاوز الحكومات والوزراء.
إصلاح يشارك فيه:
المربّون،
النقابات،
الجامعات،
الأولياء،
المجتمع المدني،
وخبراء الاقتصاد.
رؤية بعيدة تعبر الحكومات ولا تُختطفها المصالح السياسية.
ج. تقييم دوري شفاف
ينبغي نشر تقارير سنوية للعموم حول:
مستوى التحصيل العلمي،
وضعية البنية التحتية،
التكوين،
نتائج الإصلاحات.
الشفافية هي ذاكرة المجتمع بأسره.
د. إحياء البحث التربوي
من دون بحث علمي جاد، يصبح الإصلاح حدسياً ومزاجياً.
يجب دعم مخابر التربية في الجامعات التونسية، وتشجيع الدراسات الميدانية، وربط السياسات التعليمية بنتائج البحث.
هـ. تحويل المدرسة إلى مؤسسة مجتمعية حية
المدرسة ليست بناية إدارية؛ هي قلب المجتمع.
وحين تُفتح المدرسة للثقافة والفنون والتكنولوجيا والمبادرات المدنية، فإنها تستعيد روحها الأولى: روح التغيير لا روح الانغلاق.

6. خاتمة: لا مستقبل لتعليم بلا ذاكرة
لا يكفي أن نُعلن الإصلاح، أو نُصدر المناشير، أو نغيّر الكتب المدرسية.
الإصلاح الحقيقي هو ذاك الذي يعترف بما سبق، ويحاور الأخطاء، ويُشرك المجتمع، ويملك الشجاعة ليقول:
لقد حاولنا هنا وفشلنا، وجربنا هنا ونجحنا، وسنبني على ما نجح ولن نعيد ما فشل.
غياب الذاكرة ليس مجرد خطأ إداري، بل خطيئة أخلاقية تجاه الأجيال.
والمنظومة التربوية التونسية، رغم كل تعثراتها، تملك من الثروات البشرية، ومن التجارب، ومن المربين الأكفاء، ما يجعلها قادرة على النهوض من جديد.
لكن الطريق إلى ذلك يبدأ بحفظ الذاكرة… لأنّ أمّةً بلا ذاكرة، تُعيد كتابة تاريخها كل يوم، ولا تصل أبداً إلى المستقبل.
المراجع:
UNESCO. Education Policy Review: Tunisia. Paris, 2019.
OECD. Education Policy Outlook: Tunisia. 2021.
UNICEF Tunisia. Equity in Education Report. 2022.
عبد الوهاب بوحديبة، التعليم والمجتمع في تونس، دار سراس، تونس، 1996.
Chevallier, Jacques. Les Réformes Éducatives et leurs Limites. Presses Universitaires de France, 2008.
OECD. Successful Education Reforms: International Cases. 2018.
الهيئة الوطنية للتقييم والجودة، تقرير حول جودة المنظومة التربوية في تونس، 2020.




