الهواتف الذكية داخل المعاهد: من أداة تعلّم إلى آلية فضيحة وإثارة
تشريح لثقافة الاستعراض وحلول لمأسسة التربية الرقمية في تونس

بقلم: عماد إيلاهي – باحث تربوي تونسي
1. مدخل عام: حين تتغوّل الشاشة على المدرسة
لم يعد الهاتف الذكي مجرّد أداة اتصال، بل أصبح امتدادًا للذات ومرآة للهوية الرقمية. ومع دخول هذه الأجهزة إلى المؤسسات التربوية التونسية دون إطار ناظم ورؤية بيداغوجية واضحة، تحوّلت الفصول الدراسية والساحات إلى فضاءات يختلط فيها اللعب بالعدوان، والتصوير بالتشويه، والبحث بالفضيحة.
اليوم، أمام كل حادثة تنمر أو عنف أو رقص أو استهزاء داخل مؤسسة تربوية، تقف عدسة هاتف يدوية تسجّل وتنشر في ثوانٍ، لتصبح المدرسة في قلب عاصفة استعراضية تُقاس فيها القيمة بعدد “المشاهدات” لا بنوعية الفعل.
هذه الظاهرة ليست تونسية فقط، لكنها في السياق التونسي تتغذّى من هشاشة المناخ المدرسي، ضعف التأطير الرقمي، وتنامي ثقافة “الفرجة” لدى المراهقين، وهي ثقافة حلّلها منظّر الإعلام غي ديبور باسم مجتمع الاستعراض (Spectacle Society)، حيث يغدو الإنسان مستهلكًا للصور أكثر من كونه فاعلًا اجتماعيًا واعيًا.
2. الظاهرة: مشاهد تتكرر يوميًا داخل المؤسسات التربوية
2.1. التصوير داخل الفصول الدراسية
يعمد بعض المتعلمين إلى تصوير:
- مقاطع رقص خلال الدرس.
- تهكّم جماعي على معلم أو متعلم.
- مقاطع أكل وشرب أثناء الحصة.
- حالات فوضى وفكاهة مفتعلة لاستقطاب المشاهدات.
هذا النوع من السلوك يهدف غالبًا إلى “كسب الشعبية الرقمية” داخل المدارس.
وقد أشار تقرير UNESCO Digital Literacy 2023 إلى أنّ 37% من المراهقين في المنطقة العربية يعتبرون محتوى الفضائح وسيلة لجلب التفاعل.
2.2. نشر محتوى العنف والاستهزاء داخل الساحات
تنتشر في المعاهد فيديوهات:
- اعتداءات جسدية بين متعلمين.
- مشادات كلامية عنيفة.
- حلقات سخرية أو تحريض.
- فيديوهات “ترند” مقلّدة من TikTok وInstagram.
هذه الممارسات لا تعكس فقط رغبة في التفوّف الرقمي، بل أيضًا ضعفًا في آليات إدارة الانفعالات لدى المتعلم، وغياب التربية على الفضاء العام.
3. تحليل سوسيولوجي: من ثقافة التعلم إلى ثقافة الاستعراض
3.1. الاستعراض كبديل عن الفعل التربوي
وصف غي ديبور (Guy Debord) المجتمع المعاصر بأنّه مجتمع يعوّض الواقع بالمشهد.
في المدرسة التونسية اليوم، يصبح “الدرس” مجرد خلفية لمشهد استعراضي، والمعلم مجرد شخصية تظهر دون إذن في مقطع قصير.
3.2. الفضاء الرقمي كسلطة بديلة
وفق الباحثة Sonia Livingstone التي درست علاقة الشباب بالشاشات (Youth and Digital Risks – 2020):
- المراهق لم يعد يبحث عن الاعتراف داخل الأسرة أو المدرسة،
بل داخل الفضاء الرقمي الذي يمنحه دورًا محسوبًا بعدد “اللايكات”.
3.3. المتعلم كمُنتج محتوى
جيل اليوم لا يكتفي بالاستهلاك الرقمي؛
إنه ينتج محتوى، يركّب، يمزّق، يسخر، ويحوّل يومه الدراسي إلى مشهد قابل للنشر.
ونتيجة لذلك تتحول المدرسة إلى:
- مسرح رقمي له جمهوره.
- فضاء غير آمن للخصوصية.
- مجال هشّ تتقاطع فيه الهوية الواقعية بالهوية الإلكترونية.
4. عوامل محلية تُعمّق الظاهرة في تونس
4.1. غياب سياسة واضحة لاستعمال الهاتف داخل المؤسسات
لا يوجد اليوم إطار وطني موحّد، مما يجعل كل مؤسسة تطبّق قوانينها الخاصة، أحيانًا بالمنع المطلق، وأحيانًا بالفوضى التامة.
4.2. غياب التربية الرقمية في البرامج الرسمية
رغم توصيات UNESCO 2023، لا يتمّ تدريس:
- أخلاقيات النشر
- حماية المعطيات الشخصية
- التفكير النقدي الرقمي
- إدارة المخاطر الإلكترونية
4.3. ضعف الحياة المدرسية والأنشطة الموازية
عندما يغيب المسرح المدرسي، السينما، الموسيقى، النوادي العلمية… يملأ الهاتف الفراغ.
4.4. الاكتظاظ وضعف التأطير
الفصل الذي يضم 38–45 متعلمًا يصبح بيئة مثالية للفوضى والتصوير الخفي.
5. الآثار التربوية والنفسية للممارسات الرقمية الفوضوية
5.1. تدهور العلاقة البيداغوجية
تصوير المعلم أو زملائه دون إذن يخلق مناخًا من انعدام الثقة.
5.2. تعزيز ثقافة التنمر
الفيديوهات الساخرة تتحول إلى أدوات إذلال وتشهير.
5.3. تشتت الانتباه والانغماس الرقمي
تؤكد دراسة Livingstone أن الهاتف يقلل التركيز بنسبة 25% حتى لو كان مغلقًا.
5.4. الإضرار بصورة المدرسة في الرأي العام
تتحول حادثة معزولة إلى فضيحة وطنية باعثة على الهلع.
6. قراءة نقدية للمنع: هل الحل في طرد الهواتف… أم في تهذيبها؟
طبّقت فرنسا سنة 2018 ما يسمى “French Phone Ban”،
لكن الدراسة التقييمية التي نشرتها وزارة التعليم الفرنسية (2020) كشفت أن:
- المنع لم يعالج كل المشكلات.
- أغلب الانتهاكات تحدث خارج أسوار المؤسسة.
- الحل الأمثل هو المرافقة والتربية الرقمية.
إذن، المنع وحده ليس حلا.
والأخطر: طرد المتعلمين بسبب الهاتف يعمّق الهشاشة الاجتماعية ويغذي التسرب المدرسي.
7. نحو خطة إنقاذ تربوية ذكية: “نحو ميثاق وطني للهاتف المدرسي”
أولًا: إطار مؤسساتي موحّد
على وزارة التربية إعداد ميثاق وطني ينظّم:
- شروط إدخال الهاتف
- يُسلّم إلى خزانة خاصة عند الدخول.
- يُستعمل فقط لأغراض تربوية بإذن المدرس.
- حقوق وواجبات المتعلمين
- احترام الخصوصية.
- منع التصوير دون إذن.
- عقوبات تربوية لا تتضمن الطرد.
- إجراءات التعامل مع الفيديوهات المسيئة
- سحب فوري للمحتوى.
- جلسة تأطير نفسية للمعني.
- إعلام العائلة وإشراكها.
ثانيًا: مأسسة التربية الرقمية
7.1. إدماج “التربية الرقمية” كمادة إجبارية
محتواها:
- المواطنة الرقمية
- حماية البيانات
- الجرائم الإلكترونية
- أخلاقيات النشر والمشاركة
- التفكير النقدي (Critical Digital Thinking)
7.2. تكوين المدرسين والإداريين
من خلال:
- دورات حول “الإدارة التربوية للهواتف الذكية”.
- تكوين حول الوقاية من العنف الرقمي.
- إشراك القيّمين والمرشدين الاجتماعيين.
ثالثًا: بدائل تربوية ذكية لتقليص الظاهرة
1. تحويل الهاتف إلى أداة تعلّم بدل أداة تشويش
أمثلة عملية:
- توظيفه في بحوث قصيرة عبر QR codes.
- مسابقات في التصوير الوثائقي لا الاستعراضي.
- استخدام التطبيقات التعليمية.
- تطوير منصات للأنشطة الصفية السريعة (Kahoot – Mentimeter).
2. نوادي رقمية داخل المؤسسات
- نادي المونتاج
- نادي الصحافة المدرسية
- نادي التربية على الصورة
- نادي الأمن الرقمي
هذه النوادي تحوّل الاستعراض إلى إبداع موجّه.
3. شراكات مع الجمعيات المختصة
مثل:
- جمعية إنترنت آمن
- جمعيات المواطنة الرقمية
- مكوّنون مختصون في الإعلام الجديد
8. خطة تربوية لمعالجة المخالفات دون طرد
الخطوة 1: تحليل السلوك
تحديد دوافع المتعلم (شهرة؟ فراغ؟ تقليد؟ غضب؟).
الخطوة 2: جلسة تأطير فردية
بإشراف القيم والمرشد الاجتماعي.
الخطوة 3: إشراك الأسرة
تقديم خطة متابعة للأسبوعين المواليين.
الخطوة 4: عمل تطوعي داخل المؤسسة
مثل:
- المساعدة في المكتبة
- المشاركة في الأنشطة
- تحمّل مسؤولية إعلامية داخل نادي الصحافة
الخطوة 5: دورة قصيرة في التربية الرقمية
بدل العقوبات التقليدية التي لا تغيّر السلوك.
الخطوة 6: تعهّد خطي بعدم التكرار
الخطوة 7: إعادة إدماج المتعلم بنشاط جماعي
حتى لا يشعر بالوصم أو الإقصاء.
هذه المقاربة تنسجم مع توصيات:
- UNESCO – Digital Citizenship (2023)
- UNICEF – School Violence Prevention (2019)
9. قراءة مستقبلية: ما الذي ينتظرنا؟
إذا ظل الهاتف حاضرًا دون قاعدة،
والمتعلم مستهلكًا دون تكوين،
والمدرسة عاجزة عن التكيّف،
فإن العنف الرقمي سيتفاقم،
وسوف تصبح المدرسة فضاء هشًّا لا يملك فيه التربويون الأدوات اللازمة لحماية الأطفال.
لكن بالاستثمار في:
- التربية الرقمية،
- تكوين المربين،
- إصلاح المناخ المدرسي،
- تنظيم استعمال الهاتف،
- دعم الأنشطة،
يمكن للمدرسة أن تسترجع وظيفتها الجوهرية:
تحرير العقل لا تأجيج الفرجة.
10. خاتمة: المدرسة بين الاستعراض والتربية
المعركة اليوم ليست ضد الهاتف،
ولا ضد المراهق،
بل ضد الفوضى وضد ثقافة الاستعراض التي تبتلع كل فضاء عمومي.
الهاتف يمكن أن يكون:
- أداة تعلم
أو - أداة فضيحة
والفارق تصنعه السياسة التعليمية، والتربية الرقمية، والمناخ المدرسي، والمرافقة النفسية.
لا يجب أن نطرد أبناءنا إلى الشارع بحجة مخالفة رقمية،
بل أن نعلّمهم كيف يكونون مواطنين رقميين مسؤولين.
المدرسة التونسية بحاجة إلى رؤية جديدة،
لا تقوم على المنع فقط،
بل على التثقيف والتمكين والمسؤولية.
وهذه هي الطريق الوحيدة لانتقال الهاتف من “عدو تربوي” إلى “شريك بيداغوجي”.




