مقالات تربوية

كيف نعيد تصميم الكتاب المدرسي ليتلاءم مع المتعلم التونسي الجديد؟

لم يكن الكتاب المدرسي يومًا مجرد صفحات مطبوعة أو دليلاً للمعلم والمتعلم فحسب، بل كان انعكاسًا صريحًا للمنظومة المعرفية التي تختارها دولةٌ ما لنحت جيلها الجديد. وفي تونس، حيث تتسارع التحولات الاجتماعية والتكنولوجية والاقتصادية، لم يعد الكتاب المدرسي في صيغته التقليدية قادرًا على حمل رهانات المجتمع الجديد، ولا على خدمة متعلم أصبح أكثر اتصالًا بالعالم، وأكثر تطلعًا إلى المعرفة العملية والذاتية، وأكثر قدرة على الوصول إلى مصادر بديلة تتجاوز المدرسة.

اليوم، أمامنا سؤال جوهري: كيف نعيد هندسة المحتوى التعليمي للكتاب المدرسي بحيث يتحول من كتاب تلقين إلى أداة تعلم؟ من برنامج مغلق إلى منصة مفتوحة؟ من مخزن معلومات إلى مشغل للتفكير؟

هذا المقال محاولة لصياغة رؤية عملية، مدعومة بالأمثلة والنماذج والمراجع، لإعادة تصميم الكتاب المدرسي ليخدم “المتعلم التونسي الجديد” كما يجب أن يكون، لا كما اعتدنا أن نتصوره.


أولًا: من هو “المتعلم التونسي الجديد”؟

قبل إعادة هندسة المحتوى، يجب أن نحدد مواصفات المتعلم كما تكشفها البحوث الحديثة والتجارب الصفية اليومية:

  • متعلم رقمي بالفطرة (Digital Native)
    يدخل المدرسة وهو معتاد على الشاشات، يتفاعل بصريًا، ويميل إلى التعلم السريع المتنوع.
    (انظر دراسة Marc Prensky، 2001 حول المتعلمين الرقميين).
  • متعلم متعدد المصادر
    لا يكتفي بما يقوله المعلم أو الكتاب. يفتّش، يقارن، يشاهد مقاطع تعليمية.
  • متعلم يبحث عن معنى
    يريد أن يفهم “لماذا يتعلم”، لا فقط “ماذا يتعلم”.
  • متعلم يعاني أحيانًا من ضعف التركيز وطغيان المشتتات
    وهو ما أكدت عليه دراسة OECD سنة 2020 حول أثر الوسائط الرقمية على الانتباه.
  • متعلم يعيش تحولات اجتماعية واقتصادية قاسية
    مما يجعل التعلم العاطفي والاجتماعي جزءًا ضروريًا من أي محتوى تربوي.
قد يعجبك أيضا:  إعادة هيكلة منظومة التقييم التربوي في تونس: نحو نموذج تشاركي وشامل في التعليم

إذا كان هذا هو المتعلم، فمن البديهي أن الكتاب المدرسي الذي صُمّم في التسعينات أو أوائل الألفية لن يكون قادرًا على مواكبته.


ثانيًا: ما معنى “هندسة المحتوى التعليمي”؟

هي ليست مجرد إضافة صور، أو تحسين الخط، أو تغيير ترتيب الدروس.
هندسة المحتوى هي عملية تحويل المحتوى التعليمي إلى نظام معرفي متكامل يعتمد على:

  1. الفلسفة التعليمية (ما الهدف من التعلم؟)
  2. البيداغوجيا (كيف نعلم؟ كيف يتعلم المتعلم؟)
  3. الهوية الثقافية الوطنية (كيف يعكس الكتاب قيم تونس وموروثها ولغتها؟)
  4. المعايير الدولية للكفايات (PISA، TIMSS، UNESCO Learning Competencies)
  5. التكنولوجيا التربوية
  6. سيكولوجيا المتعلم التونسي اليوم

هندسة المحتوى هي “تصميم” على غرار هندسة العمارة، لكن موضوعه هو المعرفة.


ثالثًا: المبادئ الكبرى لإعادة تصميم الكتاب المدرسي

1. الانتقال من “التلقي” إلى “البناء”

في الكتب التقليدية، نجد:

  • نصوصًا جاهزة
  • تمارين تكرارية
  • دروسًا تُفرض من أعلى دون تبرير
  • غياب أسئلة الفهم العميق

بينما في الكتب الحديثة، يصبح المتعلم مشاركًا:

  • يُطلب منه تحليل نص قبل شرحه
  • بناء فرضيات
  • تأسيس مشروع صغير
  • البحث عن مصادر خارجية موجهة

مثال تطبيقي:
في كتاب العلوم للسنة السادسة، بدل درس جاهز حول “التوازن البيئي”، نُدرج “مشكلة واقعية”:
“اختفت مجموعة من الطيور من منطقة جبلية في الشمال الغربي، ما أثر على توازن النباتات. ما الأسباب المحتملة؟ وكيف نعيد التوازن؟”
هذا الأسلوب مستوحى من نموذج Problem Based Learning كما هو مُطبّق في فنلندا وسنغافورة.


2. تعزيز مهارات التفكير بدل المحتوى الكثيف

أثبتت دراسة Anderson & Krathwohl (2001) أن التعلم العميق يرتبط بأنشطة التفكير من مستوى أعلى (التحليل، التركيب، التقويم).

لذلك يجب أن يتحول الكتاب المدرسي إلى مدرسة تفكير، وليس مجرد “دفتر معارف”.

مثال:
في درس لغة عربية:
بدل سؤال: “استخرج الفعل الماضي”
نمر إلى:
“كيف غيّر استعمال الفعل الماضي في هذه الفقرة من إيقاع الأحداث؟ ماذا لو استبدلناه بالمضارع؟”


3. إدماج البعد الرقمي دون أن يتحول الكتاب إلى شاشة

لا يمكن للكتاب الورقي أن ينافس العالم الرقمي، لكنه يستطيع أن “يتكامل” معه.

قد يعجبك أيضا:  خارطة التقنيات التربوية: كيف نختار الوسيلة الأنسب للهدف التعليمي؟

نماذج دولية:

  • كوريا الجنوبية: كل درس في الكتاب الورقي مرتبط برمز QR يقود المتعلم إلى تجربة تفاعلية.
  • المغرب في “مدرسة.ما”: اعتماد مراجع مكملة رقمية.
  • كندا: كتاب مزدوج (ورقي + منصة توسعية).

اقتراح تونسي واقعي:
إدراج أكواد QR في الكتب تفتح:

  • مخابر افتراضية في العلوم
  • مقاطع تفسيرية في الرياضيات
  • قراءات صوتية في العربية والفرنسية
  • اختبارات تشخيصية تكميلية

لا يتطلب الأمر بنية تحتية كاملة، فقط تنظيمًا وطنيًا.


4. ربط المحتوى بالسياق التونسي الحقيقي

أحد أكبر مشاكل الكتب الحالية أنها “نظرية” ولا تخاطب واقع الطفل.

مثال:
في دروس الجغرافيا، لماذا ندرس “نهر الأمازون” قبل أن نُدرّس “وادي مجردة”؟
في درس التربية المدنية، لماذا لا نُدرج قضايا مثل:

  • التصرف في النفايات
  • الأمن الطرقي
  • التغير المناخي في تونس
  • المواطنة الرقمية

مرجع:
توصيات UNESCO حول Contextualized Learning (2019).


5. إدماج البعد القيمي والوجداني

الكتاب المدرسي ليس محايدًا.
هو حامل لقيم، سواء أردنا ذلك أم لا.
المتعلم التونسي اليوم يحتاج إلى كتاب يرسّخ:

  • ثقافة الحوار
  • احترام الاختلاف
  • قيم العمل
  • مكافأة الجهد
  • الانفتاح على الإنسانية

مثال:
في نص القراءة، يمكن اختيار قصص تونسية معاصرة تُظهر قوة التضامن بين المتعلمين، أو مثالًا من الحياة اليومية يعكس قيمة الاجتهاد.


6. إدراج مشاريع صغيرة (Mini Projects)

كل وحدة تعليمية يجب أن تختتم بمشروع يُثبت فيه المتعلم ما بنى من معارف.

مثال:
في كتاب التاريخ للسنة السابعة:
“صمّم بطاقات تعريفية لثلاث شخصيات تونسية كان لها أثر في بناء الدولة الوطنية بعد الاستقلال.”
هذا النوع من الأنشطة موجود في الكتب الكندية (Ontario Curriculum).


7. الكتاب المدرسي بوصفه منصة وليس كيانًا مغلقًا

يجب أن يعترف الكتاب بأن المتعلم لديه مصادر أخرى.
لذلك يُدمج في نهاية كل وحدة:

  • روابط مقترحة
  • اقتراحات كتب للأطفال
  • مقاطع وثائقية
  • مواقع تعليمية موثوقة (مثل Khan Academy أو Nafham أو Madrasa)
قد يعجبك أيضا:  تقرير بحثي حول العنف المدرسي في تونس: من المظاهر اليومية إلى الأزمة البنيوية

رابعًا: كيف نبني الدرس في الكتاب المدرسي وفق هندسة جديدة؟

مثال تطبيقي كامل لدرس في اللغة العربية (السنة السادسة)

العنوان: “رحلة الضوء” (نص وصفي علمي)

الخطوات:

  1. الوضعية المشكلة
    صورة لغرفة مظلمة وتتسلل إليها أشعة الشمس.
    سؤال موجّه:
    “كيف يتغير شكل الأشياء عندما يمر الضوء من نافذة صغيرة؟”
  2. القراءة الأولى
    نص قصير حول مسار الضوء وانعكاسه.
  3. الفهم العميق
    أسئلة من نوع:
    • ما العلاقة بين مصدر الضوء وبين شكل الظلال؟
    • كيف يوظف الكاتب الصورة الحسية لشرح معلومة علمية؟
  4. التحليل اللغوي
    تحليل استعارة أو تركيب نحوي يخدم المعنى.
  5. التطبيق
    تجربة منزلية صغيرة:
    “ثبّت ورقة بيضاء أمام مصباح وأعد تشكيل الظلال. صوّر النتيجة.”
  6. التثبيت الرقمي
    QR يقود إلى مقطع يشرح الانعكاس والانكسار.
  7. المشروع
    إعداد “مجلة صفية للضوء والظلال”.

هذه البنية تمزج بين التعلم العميق والاندماج الرقمي والارتباط بالحياة.


خامسًا: مراجع أساسية يمكن اعتمادها في تطوير الكتب المدرسية

  1. UNESCO – Global Education Monitoring Report
    يؤكد ضرورة تطوير الكتب المدرسية وفق معايير التفكير النقدي والعدالة المعرفية.
  2. OECD – The Future of Education and Skills 2030
    وثيقة محورية تحدد مهارات المستقبل (Creativity, Collaboration, Critical Thinking).
  3. Anderson & Krathwohl (2001). A Taxonomy for Learning, Teaching, and Assessing.
    مرجع أساسي لهرم التفكير.
  4. Fullan, M. (2013). Great to Excellent: Launching the Next Stage of Ontario’s Education Agenda.
    يشرح كيف طورت كندا محتوياتها بربط التعلم بالقيم والعمل الجماعي.
  5. Curriculum Development in Finland (National Core Curriculum, 2016)
    من أهم التجارب العالمية في هندسة المحتوى.
  6. Bloom’s Revised Taxonomy & PBL Models (2007–2015)
    مصادر تبرز أهمية التعلم القائم على المشكلات.
  7. كراسات البرامج الرسمية التونسية (وزارة التربية، نسخ 2016 وما بعدها)
    وهي الإطار المرجعي الأقرب لتطوير الكتاب المدرسي محليًا.

سادسًا: توصيات عملية لإعادة بناء الكتاب المدرسي في تونس

  1. إنشاء هيئة وطنية مستقلة للكتاب المدرسي
    تجمع بين خبراء بيداغوجيا، تربويين، رسامين، مختصي اتصال بصري، ومهندسي تعليم.
  2. اعتماد تصميم موحّد للكتب
    بحيث يشعر المتعلم أن كل الكتب تنتمي إلى “منظومة واحدة”.
  3. التركيز على لغة عربية سليمة، جذابة، حديثة
    تجمع بين الجزالة والوضوح.
  4. تقليل حجم الدروس وزيادة عمقها
    الجودة لا الكمّ.
  5. إدراج اختبارات تشخيصية قبل كل وحدة
    لتكييف التعليم مع صعوبات المتعلمين.
  6. فتح المجال للكتاب المدرسي التفاعلي
    دون التضحية بالمرجع الورقي.


خاتمة

إعادة تصميم الكتاب المدرسي في تونس ليست عملية تقنية ولا تجميلية، بل مشروع تربوي وطني يحتاج إلى إرادة ثقافية وسياسية.
المسألة ليست: “كيف نجعل الكتاب أجمل؟”
بل: كيف نجعل المتعلم أكثر قدرة على الفهم، التفكير، النقد، البناء، والحياة؟

إن بناء كتاب مدرسي جديد هو في الحقيقة بناء “عقل جديد”.
وإذا أردنا تعليمًا يليق بتونس الغد، فلنبدأ بمراجعة أعمق أدوات المدرسة: محتواها، وكتابها، ورسالتها.

ilahi imed

عماد إيلاهي، كاتب ومسرحي تونسي، جمع بين شغف الكلمة وديناميكية التقنية. أسس مدونة imdil.info لتكون نافذة على أحدث المستجدات في عالم التكنولوجيا، حيث يمزج بين التحليل الدقيق والطرح المبسّط الذي يصل للقارئ العادي والمتخصص على حدّ سواء. مدرب معتمد في مجالات التربية والتقنيات الحديثة، يوظف خبرته لتقديم دورات وورش عمل تمكّن الأفراد من فهم التكنولوجيا واستثمارها بذكاء في حياتهم العملية والتعليمية. في كتاباته ومحاضراته، يربط بين الإنسان والأداة، بين الإبداع والمعرفة، ليجعل من التقنية وسيلة للارتقاء لا مجرد استهلاك.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى